الشيعة والدروز في لحظة إقليمية خطرة
تكمن المأساة الشيعية اليوم لا في فداحة الخسائر المادية والبشرية التي خلفتها الحرب فحسب،
بل في العجز عن استيلاد الدروس العميقة من هذه النكبة. فالمجتمعات التي تفشل في مراجعة ذاتها تظل أسيرة أزماتها، حتى إذا صمتت المدافع وتراجع دخان المعارك.
لقد دفعت البيئة الشيعية، ومعها لبنان كله، أثماناً باهظة من دماء الشهداء وآلاف الجرحى ودمار القرى وتهجير العائلات،
في ظل اقتصاد منهار ووطن يزداد هشاشة. وكان حرياً بهذه التضحيات أن تتحول إلى محطة مراجعة سياسية وفكرية شاملة، لا أن تنتهي إلى مزيد من الجمود وتكرار الخطاب ذاته.
ومن هنا تبرز خطورة الحرب الإعلامية على الدروز، لأن علاقة الشيعة والدروز لا يمكن أن تُدار بمنطق الانفعال والتخوين،
في إقليم تتحرك فيه المخاطر بسرعة وتعيد رسم مواقع الجماعات ومصائرها.
حين تتحول الأفكار إلى مسلمات
إن أخطر ما يواجه أي جماعة سياسية هو أن تتحول أفكارها إلى مسلمات لا تقبل النقاش.
عندها يصبح الاختلاف خيانة، وتصبح المراجعة ضعفاً، ويتعطل العقل عن إنتاج البدائل.
وفي هذه الحالة، يتحول الإعلام إلى صدى متكرر داخل غرفة مغلقة، بينما يتجاوزنا العالم المتغير بسرعة.
وهذا العقم يظهر بوضوح في طريقة إدارة العلاقة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، حيث تضيع المصالح في متاهات التخوين والخصومة الشخصية.
بدلاً من ذلك، كان المطلوب البحث عن ألف طريقة وطريقة للتقارب مع المواقع الرسمية.
فالحوار يحتاج إلى مناخ يسمح به، لا إلى خطابات توصد الأبواب قبل أن تبدأ المحاولة.
السياسة لا تُدار بالعواطف
على المستوى الإقليمي، تبرز الحاجة إلى مقاربة التحولات والعواصف المقبلة بعين الواقعية لا العواطف.
فالسياسة لا تدار بالانفعال، بل بلغة المصالح والقراءات الدقيقة للواقع.
ومن هنا تكتسب المسألة السورية أهمية قصوى. فالتقديرات المرتبطة بالضغوط والمغريات الأميركية، أو التهديدات الضمنية، قد تدفع السلطة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع نحو خيارات تستهدف إنهاء دور حزب الله وبيئته.
عند هذه النقطة، لا ينبغي أن يكون السؤال الوجودي حول ما يكتبه ويردده المحللون والإعلاميون “الخنفشاريون”.
بل يجب أن يكون السؤال: أين تتقاطع المصالح عندما يصبح الوجود نفسه مهدداً؟
السويداء وهواجس المجتمع الدرزي
لقد أظهرت أحداث السويداء أن غالبية المجتمع الدرزي حول العالم بات يحمل هواجس عنيفة وعميقة تجاه السلطة الجديدة في دمشق. فقد عاش هذا المجتمع تجربة دامية تركت آثاراً يصعب تجاوزها، وفتحت في وعيه أسئلة وجودية لا يمكن تجاهلها.
وإذا افترضنا، في أي سيناريو مستقبلي، أن الصراع امتد إلى الداخل اللبناني، فقد يجد الشيعة والدروز أنفسهم،
شاؤوا أم أبوا، في خندق واحد. فالخطر، حين يصبح وجودياً، يفرض على الجماعات الدفاع عن وجودها المشترك، لا عن حساسياتها الآنية فقط.
وربما تكون المناطق الدرزية هي المناطق الوحيدة التي قد تستقبل الشيعة وتدعمهم بالسلاح وتؤمن لهم القوة وتحميهم ليحموها. فهي تدرك أنه إذا انتهى الدور الشيعي، فقد يأتي الدور عليها كما حصل في السويداء والساحل السوري مع الأقليات في سوريا.
حكمة الدروز وتوزيع الأدوار
الموحّد الدرزي ليس عاجزاً عن الرد على الشيعة أو اتهامهم بالخيانة كما يتهمه بعضهم، لكنه مع ذلك يدافع عن سلاحهم وخياراتهم السياسية ويلتصق بهم. وهذه النقطة تستحق قراءة هادئة، لأنها تكشف وعياً سياسياً يتقدم أحياناً على خطاب الانفعال.
انظروا إلى حكمة الدروز، وكيف يوزعون الأدوار بينهم؛ فقد فعلوا ذلك على مر التاريخ،
ولذلك ظلوا الجماعة الوحيدة التي لم تنل منها كل المتغيرات الإقليمية، رغم ندرة عددها.
وليد بيك جنبلاط يقود معركة سياسية إلى جانب الشيعة بميزان من ذهب،
في حين يقود الوزير وئام وهاب إلى جانبهم معركة الدفاع عن سلاحهم، ويشد العصب الدرزي من أجل البقاء في خندق واحد مع الشيعة.
يعرف وليد بيك والوزير وهاب أنه إذا وقعت الواقعة ودخل السوريون الجدد إلى لبنان، فإن الذي يقاتل هو الشيعي فقط.
وهذه هي النهاية الحتمية لهذا المصير الواحد، لكن من يخبر الشيعة عن هذا المصير في إقليم تحترق فيه الأقليات كأوراق الشجر في الصيف، ولا يوجد من يطفئ النار؟
الشيعة والدروز ومأزق الخطاب الإعلامي
حسناً، فهمنا أن الشيعة أقوياء ولا يهابون الموت. فهم يخوضون حرباً وجودية ضد إسرائيل،
وقد يكونون مقبلين أيضاً على حرب وجودية مع سوريا، في وقت يواجهون فيه انقساماً داخلياً لم يشهدوا مثله منذ 500 سنة.
كما يوجد مليون شيعي دون منازل أو عمل ومشردون في لبنان. وفي المقابل،
يوجد مليون سوري، وربما مثلهم لبنانيون، لم يعودوا يحتملون الخطاب السياسي والإعلامي الشيعي الذي لا عمل له إلا التخوين.
هنا يفرض السؤال نفسه: من الذي يدور الزوايا، ويقرب وجهات النظر، ويخفف من حدة هذه التصريحات؟
ومن الذي يمنع تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة شاملة مع مكونات قد يحتاج إليها الشيعة في لحظة الخطر؟
فالماروني الذي يخوّنه الشيعة اليوم لن يدمر مصالحه مع الغرب للدفاع عنهم، وهو يشاهد الحكومة العراقية في الأراضي المقدسة الشيعية تضع حزب الله وبيئته وحلفاءه على لوائح الإرهاب والعقوبات العراقية.
وكل هذا، في جوهره، يعود إلى الأخطاء الإعلامية والسياسية الشيعية التي تراكمت حتى صارت جزءاً من الأزمة، لا مجرد تفصيل في طريقة التعبير.
السياسة ليست دفتراً للأحقاد
السياسة ليست دفتراً لحفظ الأحقاد، بل فن إدارة المخاطر. لذلك فإن إبقاء الجسور مفتوحة مع الدروز،
أو مع أي مكوّن لبناني آخر، لا يعني التنازل أو التراجع، بل يدخل في صميم العمل السياسي البناء.
يساعد هذا النهج في تجاوز أسوأ الاحتمالات، لأن الشعوب التي تعيش على خطوط الزلازل لا تملك حق إحراق وحدتها الوطنية. فإحراق هذه الوحدة ليس بطولة، بل انتحار جماعي.
والجسر الذي نهدمه اليوم قد يكون طريق النجاة غداً. ولهذا، لا يجوز التعامل مع علاقة الشيعة والدروز بمنطق السجال الإعلامي اليومي، بل بمنطق المصير المشترك وحسابات البقاء.
المصيبة الكبرى: الهزيمة الفكرية
إن المصيبة الكبرى لا تكمن في الحرب وحدها، بل في الهزيمة الفكرية التي تظهر في الجمود السياسي،
وتكرار التحليلات والوجوه والمفردات ذاتها لسنوات. كأن الزمن توقف، بينما تُعاد خرائط العالم من حولنا.
الأمم لا تنهض بتكرار نفسها، بل بامتلاك شجاعة مراجعة الذات. فالمراجعة ليست اعترافاً بالانكسار،
ولا تعني التخلي عن الثوابت، بل تمثل الخطوة الأولى والوحيدة نحو النهوض من جديد.
ومن دون هذه المراجعة، سيبقى العقل مشلولاً ومرتهناً للماضي، وستتحول كل حرب جديدة إلى مناسبة لتكرار الأخطاء نفسها.
أما المطلوب اليوم فهو وعي سياسي وإعلامي يعرف أن الخطر لا يُواجه بتخوين الحلفاء المحتملين، بل بإعادة بناء الجسور قبل فوات الأوان.


