أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة ولاية كنساس، الولايات المتحدة الأمريكية
أثار مرسوم قضائي جديد في طور الإصدار في العراق، يدعو إلى مقاضاة معارضي النظام السياسي، غضباً واسعاً في صفوق العراقيين وسط مخاوف من أنه سيقمع حرية التعبير.
يقول العراقيون إن مرسوم التعامل مع المعارضة ليس سوى “وصفة لكارثة” على حرية التعبير. يخشى السكان العودة إلى قيود عهد صدام حسين، حيث صدرت أوامر للمدعين العامين بملاحقة كل من يشكك في “شرعية” النظام السياسي.
في وثيقة سُرّبت يوم الثلاثاء 9 كانون الأول (ديسمبر)، أصدر القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، أوامر للادعاء العام بالملاحقة القانونية “لكل من يحرض على قلب النظام السياسي أو يروج لذلك، أو يقوض شرعية النظام القائم عبر وسائل الإعلام أو المنصات الإلكترونية”. يأتي هذا التوجيه، الصادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق بتاريخ 26 تشرين الثاني (نوفمبر)، بناءً على طلبٍ من الحكومة. ولم يحدد المرسوم أنواع المخالفات، مما يتركه مفتوحاً للتأويل.
لم يصدر أي تعليق فوري من مجلس القضاء الأعلى أو الحكومة العراقية. إلا أن هذه الخطوة أثارت مخاوف لدى الناس من استخدامها لإسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة للنخبة السياسية والحكومة.
يقول السيد حازم صالح، 51 عاماً، وهو من سكان بغداد، لصحيفة “ذا ناشيونال”: “إنها محاولة واضحة لتقييد حرية الرأي والتعبير، وهي المكسب الحقيقي الوحيد الذي حققناه منذ سقوط دكتاتورية صدام حسين”. ويضيف: “سيكون لهذا القرار أثرٌ مرعب على النشاط السياسي والصحافة في البلاد”. وقال إن هذه الخطوة “وصفة لكارثة”. وأوضح: “سيمنح هذا القرار السلطات صلاحيات مطلقة لإسكات كل من يجرؤ على انتقاد النظام السياسي”.
وصف السياسي عمر عبد الستار، عضو المجلس الوطني للمعارضة العراقية، التوجيه الجديد بأنه “الأكثر قمعًا في تاريخ العراق”. وأضاف: “إنه يُبرز الهشاشة وعدم الاستقرار الشديدين اللذين يعاني منهما النظام السياسي العراقي في ظل وضعٍ حرج”.
بعد سقوط نظام صدام حسين من خلال الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، أصبح العراقيون، ولأول مرة منذ عقود، أحرارًا في التعبير عن آرائهم عبر الإنترنت وفي الاحتجاجات الشعبية. ويضمن دستور البلاد، الذي سُنّ عام 2005، هذه الحريات. منذ ذلك الحين، انتقد العراقيون قادتهم السياسيين والدينيين كتابةً وتعبيرًا وبأشكالٍ مختلفة وعبر التلفزيون، رغم أن بعضهم واجهوا أعمال انتقامية من قبل الحكومة أو قوى سياسية مشتركة في الحكم تمثلت في دعاوى قضائية وحتى أعمال عنف.
في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، اندلعت اضطرابات واسعة النطاق في أرجاء البلاد، حيث خرج العراقيون إلى شوارع بغداد ومدن رئيسية أخرى، بالذات في المناطق التي تسكنها أغلبية شيعية وسط وجنوب البلاد، احتجاجاً على أداء النخبة السياسية التي تتولى السلطة منذ عام 2003. لم تقتصر مطالب المحتجين على توفير فرص العمل وتحسين الخدمات والقضاء على الفساد المستشري، بل شملت أيضاً رغبة في إصلاحٍ شاملٍ للنظام السياسي ما بعد حقبة حكم صدام. شكلت هذه الاحتجاجات، وهي الأكبر منذ عام 2003، تحدياً كبيراً للنخبة السياسية والنظام، ما أدى إلى استقالة الحكومة.
قوبلت المظاهرات بقمعٍ عنيف من قبل قوات الأمن والميليشيات المدعومة من إيران. قُتل نحو 600 متظاهر وعنصر من قوات الأمن في أعمال العنف، بينما أُصيب عشرات الآلاف. وأفاد عشرات الناشطين بتعرضهم للترهيب من قبل قوات الأمن والميليشيات، حيث اختُطف أو اغتيل العديد منهم. اتهم ناشطين ميليشيات مدعومة من إيران بالوقوف وراء عمليات الاغتيال في محاولة لقمع الاحتجاجات. وألقت الحكومة والميليشيات باللوم على “جهاتٍ ثالثة” دون تحديد هويتها.
يأتي هذا التوجيه الجديد في وقتٍ تناقش فيه القوى السياسية المهيمنة تشكيل الحكومة المقبلة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت الشهر الماضي.
انتقد مواطنون عراقيون عملية تشكيل الحكومة المقبلة، قائلين إنه بعد كل انتخابات، تهيمن الأحزاب نفسها على البرلمان وتسعى إلى عقد صفقات ما بعد الانتخابات لتشكيل حكومة بغض النظر عن النتائج الفعلية للتصويت. ويشعر كثير من العراقيين بأن أصواتهم تُباع في مفاوضات سرية تُقسّم السلطة بين النخبة السياسية القائمة.
شبّهت المواطنة إسراء محمد القرار “بمحكمة الثورة” التي أنشأها صدام حسين لقمع المعارضين. واتهمت السيد فائق زيدان بـ”حماية” النظام السياسي والأحزاب، ووصفتهم بـ”الفاسدين”. وكتبت على موقع أكس: “ما سيحدث أسوأ ما دام الشعب العراقي صامتًا حيال هؤلاء”.


