خرق المدد الدستورية في دعوة مجلس النواب للانعقاد – أهمية المدد الدستورية في الفقه الدستوري
يُجمع فقهاء القانون الدستوري على أن المدة الدستورية ليست تنظيماً شكلياً، بل هي عنصر جوهري في ضمان التداول السلمي للسلطة، ومنع الفراغ الدستوري أو الاستحواذ الزمني، وضبط سلوك السلطات العامة ومنع التراخي المتعمد. ويقرر الفقيه الدستوري الفرنسي موريس دوفرجيه أن المدة الدستورية هي قيد على الإرادة السياسية، وأي تجاوز لها هو اعتداء على مبدأ المشروعية، وهو ما يمنح المدد الدستورية قيمة موضوعية تتجاوز الإطار الإجرائي إلى صميم الشرعية الدستورية.
التكييف الفقهي لاختصاص رئيس الجمهورية – الاختصاص المقيد زمنياً (Compétence liée)
وفقاً للنظرية العامة للاختصاص، إذا حدّد الدستور الزمان والمضمون انتفى التقدير، وتحول دور الجهة إلى تنفيذ إلزامي لا سياسي. وفي المادة (54) يكون الفعل محددًا بالدعوة للانعقاد، والوسيلة محددة بمرسوم جمهوري، والزمن محدد بخمسة عشر يوماً، والحظر صريح ولا يجوز التمديد. وفقهياً، نحن أمام اختصاص مقيد منعدم المرونة، لا يملك فيه رئيس الجمهورية أي سلطة تقديرية أو مجال للاجتهاد الزمني.
التمييز بين المدة التنظيمية والمدة الحتمية
يرى الفقيه عبد الرزاق السنهوري أن المدة تكون حتمية إذا رتب المشرّع على فواتها أثراً، وكانت مرتبطة بشرعية الإجراء ذاته. وتنطبق هذه القاعدة على المادة (54) لأن الإجراء هو المدخل الشرعي لتكوين السلطة التشريعية، وأي تأخير يمس الشرعية التأسيسية، ويُخرج الإجراء من إطاره الدستوري الصحيح.
الاجتهاد القضائي الدستوري المقارن
قضت المحكمة الدستورية المصرية بأن الإخلال بالمدد الدستورية الملزمة يُفقد الإجراء غايته الدستورية ولو لم يترتب عليه ضرر مباشر، بينما اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن المدة الدستورية إذا وردت بصيغة الوجوب فهي من النظام العام الدستوري. وفي اتجاهات سابقة للمحكمة الاتحادية العراقية، أكدت في أكثر من قرار أن النصوص الدستورية المتعلقة بتشكيل السلطات تُفسّر تفسيراً ضيقاً، ولا يجوز التوسع فيها بدعوى الاستقرار السياسي، وهو ما يعزز الطابع الإلزامي للمدد الدستورية.
التطبيق العملي على الحالة محل البحث – نقطة بدء المدة واحتساب الأيام
فقهاً وقضاءً، تبدأ المدة من تاريخ المصادقة القضائية لا من النشر أو الإخطار، ويكون قرار المحكمة الاتحادية نهائي وملزم من تاريخ صدوره. كما لا يوجد في الدستور أو القانون ما يسمح بإيقاف أو تعليق المدة، ولا تُستثنى أيام العطل الرسمية من الحساب الدستوري، وبالتالي فإن أي تأخير ولو ليوم واحد يُعد خرقاً زمنياً كاملاً.
هل يمكن تصحيح الخرق لاحقاً؟
فقهياً، هناك رأيان: الرأي الأول صارم يرى أن الإجراء المخالف للمدة باطل بطلاناً دستورياً، وما بني عليه مشوب بعدم المشروعية. أما الرأي الثاني الواقعي التحفظي فيرى أن البطلان لا يُفعل تلقائياً، لكنه يبقى عيباً دستورياً قائماً يصلح أساساً للطعن. وكلا الرأيين يتفقان على وجود الخرق وعدم سلامة الإجراء من الناحية الدستورية.
مبدأ حماية الدستور أم استقرار الدولة؟
يستند المدافعون عن التجاوز إلى فكرة “الضرورة السياسية”، إلا أن الفقه الدستوري يقرر أن الضرورة لا تُفترض، ولا تُستخدم لتعليق نصوص صريحة. وقد حذّر الفقيه كارل شميت من تحويل الاستثناء إلى قاعدة باسم الحفاظ على الدولة، لما في ذلك من تقويض لأسس المشروعية الدستورية.
الأثر التربوي والدستوري للخرق
إن خرق المدد الدستورية يؤدي إلى تعويد السلطات على تجاوز النص، وإضعاف الثقافة الدستورية العامة، ونقل فكرة أن الدستور يُدار لا يُحترم، وهو ما يُعد أخطر من الخرق ذاته لما يحمله من آثار تراكمية على وعي الدولة والمجتمع.
الخلاصة
إن دعوة مجلس النواب خارج المدة المنصوص عليها في المادة (54) تُعد مخالفة صريحة لا لبس فيها، وتمس مبدأ سمو الدستور، وتُحمّل رئيس الجمهورية مسؤولية دستورية موضوعية، بغض النظر عن النوايا أو النتائج السياسية.


