معركة الوعي حين يتحول المصطلح إلى سلاح
حين يُستخدم المصطلح السياسي والإعلامي كسلاح لتشويه الحقائق وقلب المفاهيم، تصبح معركة الوعي جزءاً أساسياً من معركة الدفاع عن الحقيقة والبصيرة. فمن خلال متابعات كثيرة حول سؤال يوجه لبعض الضيوف، ويتكرر بوتيرة تشعرك بـ«وحدة الهدف الإعلامي»، رأيت الكثير يرتبك حين يرد على تهمة «التبعية والوكالة». وهذا الجواب يتطلب تفكيكاً حذراً ومدروساً وبدراية.
وهنا يتطلب الأمر تشريح الخطاب الإعلامي المقابل، وتقديم دفوع حقيقية ومنطقية وشرعية تؤسس لرأي عام واعٍ وهادئ. وفيما يلي أبرز تلك الدفوع التي تبطل المدعى.
أولاً: الدفوع العقائدية والدينية
تقوم الدفوع العقائدية والدينية على وحدة التكليف والارتباط بالمنهج الإلهي. فالارتباط هنا هو ارتباط بالمبدأ، لا بالكيان الجغرافي الذي أصبح شماعة لدى بعض من يعانون من الجهل المركب.
فالانتماء الحقيقي للمقاومين ليس تابعاً لدولة أو جغرافيا سياسية، بل هو ارتباط بـ«تكليف شرعي» و«عقيدة إسلامية» واحدة. فالحكم الشرعي بالدفاع عن المظلومين، وحماية المستضعفين، ومواجهة الاستكبار، سواء تمثل بالاستعمار العسكري أو الفكري أو الاقتصادي، هو حكم مستمد من نصوص القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام. وليس هذا الحكم صادراً عن قرار سياسي أو توجيه إداري من أي جهة كانت، وإن كانت تلك الجهة قد خولها القرار الوضعي كثير الأخطاء والشبهات.
إن الاشتراك في الأهداف والمصير ضرورة حتمية شرعية. فعندما يلتقي أبناء العقيدة الواحدة في الهم والمصير، فإن نصرة بعضهم بعضاً هي فريضة إسلامية، وليست «عمالة». فالدفاع عن قضايا الأمة ومقدساتها في أي بقعة هو امتداد طبيعي لخط الأنبياء والأوصياء. كما أن التكامل بين أبناء المنهج الواحد في مواجهة الطغاة هو قوة تكاملية، لا تبعية ذليلة.
ثانياً: دماء الشهداء دليل الاستقلالية
إن أرواح الشهداء الذين سقطوا في معارك الدفاع عن العراق ومقدساته ضد الإرهاب الداعشي والاستعماري هي «الدليل الأكبر» على استقلالية الإرادة. فهؤلاء الشهداء لم ينطلقوا دفاعاً عن مصالح دولة أجنبية، بل دفاعاً عن أعراضهم وأرضهم ومستقبل أجيالهم في العراق.
والدماء الزكية التي تُسفك على أرض الوطن هي الميزان الحقيقي الذي يطيح بكل الاتهامات الباطلة.
فالكل يعرف أن «المقاومة» في العراق نبعت من رحم معاناة الشعب العراقي ومن بيئته المحلية، لمواجهة الاحتلال والعدوان بمختلف أشكاله. كما أن قرار الدفاع عن النفس وحفظ الوجود هو قرار وطني وشرعي لا يحتاج إلى إذن من أحد. وهو نابع من إدراك عميق بطبيعة المخططات الاستكبارية الرامية إلى تركيع المنطقة برمتها.
كما أن هذا القرار ليس وليد اللحظة. فمنذ زمن البعث الكافر، ولهذه اللحظة، نحن شيعة العراق ندفع فواتير العملاء، وما زالت القضية مستمرة حتى الآن.
ثالثاً: تفكيك مغالطات الخطاب الإعلامي المعاكس
لا بد من تفكيك مغالطات الخطاب الإعلامي المعاكس. فقد أصبح خلط المفاهيم المتعمد محوراً يدور عليه الإعلام، وحتى بعض المحسوبين علينا ممن يريدون الشهرة، ويظنون أنهم بارعون في السؤال الذكي المحرج.
صار الإعلام المضاد يعمد إلى خلط مقصود بين «التحالف الاستراتيجي ووحدة الصف في مواجهة الأعداء المشتركين» وبين «التبعية والوكالة». وهو لا يدرك أن التنسيق والتعاون بين «قوى المقاومة» في المنطقة ضد الهيمنة الأمريكية ـ الصهيونية هو تحالف تكاملي، مثل الجسد الواحد.
وهذا التحالف شبيه بتحالف الدول الكبرى أو الناتو لحماية مصالحها. فلماذا يُحرم على المظلومين ما يُباح للمستبدين؟
بل أصبح صرف الأنظار عن الأزمات الحقيقية مسلكاً لدى بعض من فقدوا البوصلة والبصيرة. حتى إن بعض المحسوبين علينا صاروا ببغاوات تردد تهمة «الأذرع والوكلاء» بشكل متكرر وممنهج من قبل بعض القنوات والسياسيين المرتبطين بالخارج جهلاً وقلة وعي.
وهذه المحاولات تهدف أساساً إلى التغطية على الفشل الإداري والسياسي، وصرف أنظار الشارع عن المشاريع الخطيرة التي تستهدف نزع السلاح وإضعاف الجبهة الداخلية، لتسهيل الهيمنة والاستسلام للمشاريع الأجنبية.
رابعاً: آليات تشكيل الرأي العام الهادئ والفاعل
لا بد من آليات لتشكيل الرأي العام الهادئ والفاعل، من أجل مواجهة هذه الحملات وشيطنة دماء الشهداء وتضحياتهم. ويجب الانتقال من ردود الفعل المرتبكة إلى خطاب إعلامي هادئ ومؤثر، يستند إلى جملة من الأسس.
أول هذه الأسس هو التركيز على لغة الأرقام والواقع، وإبراز حجم التضحيات الكبرى التي قدمتها المقاومة في حفظ استقرار العراق وأمنه. كما يجب بيان كيف كان سلاحها، وما زال، صمام أمان بوجه المشاريع التدميرية.
وعلى الجهات المسؤولة شرعاً عدم ترك المقاومة ضحية للمخططات، وكبح الخطاب المربك الذي يساهم في الاستفراد بهذه القوة العقائدية. فهناك شلال من الدماء، وهناك أيتام وأرامل وجرحى ومعاقون، وهم ثمن كل هذا الرخاء الذي يتمتع به هذا وذاك.
معركة الوعي والخطاب العقائدي الواعي
تتطلب معركة الوعي ضرورة توضيح الخطاب العقائدي الواعي، وشرح المفاهيم الإسلامية الصحيحة للولاء والبراء. فالتبعية الحقيقية هي «الارتهان للخارج» والسياسات الغربية. أما الالتزام بالشرع والقيم الإنسانية فهو عنوان «العزة والسيادة»، وليس العكس الذي جعل من سياسيي الصدفة والمصالح سادة الأرض بدل وكلاء السماء الحقيقيين.
أما الحلول وتفادي استمرار المخطط، فيكمنان في التظاهرات السلمية الواعية بكل أشكالها. وقد تكون هذه التظاهرات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو واقعية على الأرض. والمهم هو الحفاظ على الطابع السلمي والهادف للتعبير عن الموقف، وقطع الطريق على كل محاولات التشويش والجر نحو الفوضى.
كما يجب إيصال رسالة واضحة بأن وعي أبناء الشهداء والمقاومين أكبر بكثير من كل مظلات التضليل الإعلامي.
البصيرة في معركة الوعي
«البصيرة هي أن لا تصبح سهماً بيد قاتل الحسين، يُسَدَّد على دولة الفقيه».
مقال آخر، دمتم بنصر قادم.
خامنئيون ونستمر.


