الاختبار الرباني لا ينتهي بانتهاء موقف واحد
ليس في هذه الحياة اختبار واحد ينتهي بانتهائه كل شيء. وليس للإنسان شهادة نجاح أبدية يحصل عليها مرة، ثم يضعها في جيبه ويمضي مطمئناً إلى آخر الطريق.
إن الاختبار الرباني مستمر ما دام الإنسان حياً، وما دام على وجه الأرض. فالإنسان لا يُختبر في موقف واحد، ولا تُعرف حقيقته من صفحة واحدة من حياته. إنما تُعرف من مجموع مواقفه حين تتبدل الظروف، وتتغير مواقع القوة والضعف، وتأتيه الدنيا بما لم يكن يملك بالأمس.
إن بني البشر يُغربلون كل يوم بأشكال مختلفة. قد يكون الاختبار في الفقر، وقد يكون في الغنى. وقد يكون في الخوف، وقد يكون في الأمن. وقد يكون في الهزيمة، وقد يكون في النصر. وقد يكون في السجن، وقد يكون في المنصب. وقد ينجح الإنسان في امتحان شاق من امتحانات حياته، ثم يُبتلى بامتحان آخر أشد وأدق، فيسقط فيه سقوطاً لم يكن أحد يتوقعه.
هنا تكمن خطورة الوهم الذي يصيب بعض الناس حين ينظرون إلى ماضيهم وكأنه صك براءة دائم. لذا لا تقل: لقد خدمت الإسلام في مرحلة من حياتي، إذن أنا فوق الاختبار.
ولا تقل: جاهدت وضحيت وسُجنت وناضلت، إذن لا يمكن أن أُفتن بالسلطة.
ولا تقل: كنت في صف الحق بالأمس، ولذلك سأبقى في صفه غداً بالضرورة.
فالماضي الشريف لا يمنح الإنسان حصانة من امتحانات المستقبل.
حين يصبح المال والسلطة امتحاناً جديداً
قد يكون أعظم اختبار للإنسان بعد سنوات الجهاد هو حين تصبح السلطة بين يديه. وبعد سنوات الفقر، حين يصبح المال في خزائنه. وبعد سنوات المطاردة، حين يصبح الناس هم الذين يطاردون رضاه. وبعد سنوات الشعور بالظلم، حين يصبح هو صاحب القرار القادر على ظلم الآخرين.
وهنا يبدأ الغربال الحقيقي. فالإنسان حين لا يملك شيئاً قد يبدو زاهداً. وحين لا يملك سلطة قد يبدو عادلاً. وحين لا يملك مالاً قد يبدو نزيهاً. وحين يكون خارج دائرة النفوذ قد يبدو شديد الدفاع عن المبدأ.
لكن السؤال الأصعب ليس: ماذا كنت تفعل حين كنت ضعيفاً؟
السؤال هو: ماذا فعلت حين أصبحت قوياً؟
ليس السؤال: كيف تصرفت حين لم تكن تملك المال؟
السؤال هو: كيف تصرفت حين أصبح المال قادراً على تغيير حياتك؟
ليس السؤال: هل كنت مع المظلوم حين كنت خارج السلطة؟
السؤال هو: هل بقيت مع المظلوم حين أصبحت السلطة في يدك؟
هذه هي اللحظة التي يتغير فيها شكل الامتحان.
الاختبار الرباني في التجربة العراقية بعد عام 2003
في التجربة العراقية بعد عام 2003، ظهرت نماذج كثيرة تصلح لأن تكون درساً بالغ القسوة في معنى هذا الغربال.
فقد عرف العراق رجالاً كانوا في مراحل سابقة من حياتهم متدينين، أو معارضين، أو مجاهدين، أو ممن تحملوا الأذى والسجن والمطاردة. ثم وجد بعضهم نفسه أمام امتحان جديد: امتحان الدولة والسلطة والمال والنفوذ.
وهنا لم يعد السؤال عن ماضي الرجل، بل أصبح السؤال عن حاضره.
لم يعد المهم ماذا فعل بالأمس، وإنما ماذا سيفعل اليوم بعدما أصبح قادراً على أن يأخذ وأن يعطي، وأن يمنع وأن يعيّن، وأن يعزل وأن يفتح الأبواب لأتباعه، أو يغلقها في وجوه الآخرين.
لقد سقط بعض الذين نجحوا في اختبارات الخوف حين دخلوا اختبار السلطة.
وسقط بعض الذين صمدوا أمام السجن حين دخلوا اختبار المال.
وسقط بعض الذين كانوا يتحدثون عن العدالة حين أصبح لهم نفوذ ومصالح.
وهذا لا يعني أن الماضي كله كان كذباً، ولا يعني أن كل من وصل إلى السلطة فاسد. وإنما يعني شيئاً أكثر عمقاً: أن الإنسان لا يُحكم عليه من امتحان واحد، وأن النجاح السابق لا يضمن النجاح اللاحق.
فالفتنة قد تتغير، لكن الامتحان لا يتوقف. وما أكثر الذين كانوا يظنون أن الشيطان سيأتيهم من باب الخمر أو الفاحشة أو المعصية الظاهرة، فإذا به يأتيهم من باب آخر أكثر نعومة: من باب المنصب، أو المال، أو الشهرة، أو النفوذ، أو الشعور بأنهم أصحاب فضل على الناس.
أخطر الفتن حين يبرر الإنسان سقوطه
قد تكون أخطر الفتن تلك التي تجعل الإنسان يبرر لنفسه سقوطه. فالفاسد لا يبدأ غالباً وهو يقول: سأصبح فاسداً.
والظالم لا يبدأ حياته السياسية قائلاً: سأظلم الناس.
والانتهازي لا يقدم نفسه للناس قائلاً: أنا انتهازي.
إن السقوط يبدأ حين يستطيع الإنسان أن يمنح نفسه مبرراً أخلاقياً لكل انحراف.
يقول: أنا أفعل ذلك من أجل المشروع.
ثم يقول: هذه ضرورة المرحلة.
ثم يقول: الجميع يفعل ذلك.
ثم يقول: لو لم أفعل أنا لفعل غيري.
وبعد سنوات قد يجد نفسه قد ابتعد عن كل ما كان يؤمن به، بينما لا يزال يكرر الكلمات نفسها التي كان يرددها في أيامه الأولى.
هنا يصبح الغربال أكثر دقة، لأن الإنسان لم يعد يُختبر في قدرته على قول الحق، وإنما في قدرته على دفع ثمن الحق.
إن الإيمان ليس موقفاً تاريخياً يُحفظ في السيرة الذاتية. والجهاد ليس لقباً يُستخدم إلى الأبد. والتضحيات القديمة ليست رخصة مفتوحة لارتكاب أخطاء جديدة.
- كل مرحلة لها سؤالها.
- وكل نعمة لها امتحانها.
- وكل سلطة لها فتنتها.
- وكل مال له سؤال.
- وكل موقع له مسؤولية.
- وكل قرار يُتخذ في حياة الإنسان يمكن أن يكون جزءاً من امتحانه الذي لا يعرف متى ينتهي.
الاختبار الرباني وخطر الاطمئنان إلى النفس
لهذا ينبغي للإنسان أن يكون أكثر خوفاً من نفسه حين يظن أنه أصبح ناجحاً في الاختبار.
فقد ينجح في امتحان الفقر ثم يرسب في امتحان الغنى. وقد ينجح في امتحان الضعف ثم يرسب في امتحان القوة. وقد ينجح في امتحان المعارضة ثم يرسب في امتحان الحكم. وقد ينجح في الدفاع عن مبدئه حين كان بعيداً عن السلطة، ثم يساوم على المبدأ حين يصبح المبدأ نفسه مهدداً لمصلحته.
وهذه هي المفارقة الكبرى: أن الإنسان قد يقضي نصف حياته يحارب من أجل الوصول إلى موقع ما، ثم يقضي النصف الآخر في الدفاع عن الموقع الذي وصل إليه، ولو على حساب المبادئ التي أوصلته إليه.
إن الغربال الرباني لا يتوقف، ولذلك لا ينبغي لأحد أن يطمئن إلى نفسه.
لا أحد يملك أن يقول: لقد انتهى امتحاني.
ولا أحد يملك أن يعلن لنفسه شهادة النجاح النهائية.
فما دامت الروح في الجسد، وما دام الإنسان يملك الاختيار، فالباب مفتوح للنجاح كما هو مفتوح للسقوط. ولعل أعظم ما يحتاجه الإنسان في كل مرحلة من حياته هو أن يقف مع نفسه وقفة صادقة ويسأل:
لو عاد بي الزمن إلى موقفي الأول، هل سأفعل ما فعلته؟
ثم يسأل السؤال الأصعب:
لو سُلبت مني السلطة والمال والنفوذ غداً، هل سأبقى مؤمناً بالمبادئ نفسها التي أتحدث عنها اليوم؟
إذا كانت الإجابة: نعم، فثمة أمل. أما إذا كانت المبادئ مرتبطة بالموقع، والقيم مرتبطة بالمصلحة، والمواقف مرتبطة بالقوة، فربما يكون الإنسان قد أخطأ في قراءة نتيجة الامتحان.
الخواتيم لا البدايات وحدها
إن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى بداياتنا فقط، بل ينظر إلى خواتيمنا أيضاً. ولا يكفي أن تبدأ الطريق جيداً، فالميزان الحقيقي هو كيف تمضي فيه، وكيف تنتهي.
لهذا فإن الإنسان العاقل لا يغتر بماضيه، ولا يتكئ على تضحياته القديمة، ولا يجعل من جهاده السابق ضمانة أخلاقية لحاضره. بل يبقى خائفاً على نفسه، متواضعاً أمام امتحانات الحياة، شديد الحذر من السلطة والمال والشهرة، وأكثر خشية من لحظة يكتشف فيها أنه أصبح يشبه الذين كان يعارضهم بالأمس.
الاختبار مستمر، والغربال مستمر، والإنسان يُمتحن كل يوم. ومن ظن أنه خرج من الغربال، فربما يكون قد دخل للتو في أصعب مراحله.


