قوة شيعة العراق بين الحقوق والمكانة
لا تكفي النوايا الحسنة، ولا تصنع المجاملات مكانة لأمة. ولا تحفظ الرومانسية السياسية حقوق جماعة إذا كانت تفتقر إلى عناصر القوة التي تجعل الآخرين يحسبون حسابها. وهذه حقيقة ينبغي أن تُقال بوضوح، وخصوصاً في هذه المرحلة: إن قوة شيعة العراق ليست ترفاً سياسياً، بل شرط لحماية الحقوق والمكانة والكرامة.
فالشيعة، وفي مقدمتهم شيعة العراق، لن تُصان حقوقهم، ولن تُحفظ مكانتهم بالخطابات العاطفية وحدها، ولا بالاسترضاء الدائم، ولا بمحاولة إرضاء الجميع على الطريقة التي يعمل عليها «بعض» زعماء شيعة العراق، مع شديد الأسف.
معنى القوة المطلوبة لشيعة العراق
القوة التي أعنيها ليست دعوة إلى الاعتداء على أحد، وليست رخصة للتسلط على أحد. إنما هي أن يكون للشيعة في العراق:
- دولة عراق قوية ومحصنة.
- مؤسسات راسخة.
- قرار سياسي واعٍ.
- اقتصاد متين.
- نخب تعرف كيف تدافع عن مصالح مجتمعها.
- مجتمع يمتلك من الوعي ما يمنعه من أن يتحول إلى أداة بيد الآخرين.
فالحقوق التي لا تحميها القوة المؤسسية والسياسية تبقى عرضة للمساومة.
وليس المقصود أن يعيش الشيعة في حالة صراع دائم مع محيطهم. المقصود هو العكس تماماً، إذ إن القوة الحقيقية هي التي تمنح صاحبها القدرة على أن يعيش بكرامة، وأن يتعامل مع الآخرين من موقع الندية، لا من موقع الخوف أو الحاجة أو الاستجداء.
لقد أثبت التاريخ أن الجماعات التي تتخلى عن عناصر قوتها، ثم تراهن على حسن نيات الآخرين، تدفع في النهاية ثمناً باهظاً. وحين تصبح مصالحها رهينة لمزاج القوى الأقوى، فإنها لا تستطيع أن تفرض احترامها بمجرد التذكير بتاريخها أو مظلوميتها أو تضحياتها.
فالتاريخ لا يمنح الحاضر حصانة أبدية. والتضحيات السابقة لا تعني أن الامتحان انتهى، ولا أن الآخرين سيبقون أسرى لمواقفهم القديمة.
فالسياسة متحركة، وموازين القوى متغيرة، والمصالح تتبدل. ومن لا يملك القدرة على حماية موقعه في الحاضر قد يفقد كثيراً مما حققه في الماضي.
قوة شيعة العراق في بناء الإنسان والدولة
من هنا، فإن على شيعة العراق أن يدركوا أن قوتهم الحقيقية لا ينبغي أن تكون في كثرة الشعارات والخطب واللقاءات والندوات والمؤتمرات وحقوق المرأة والسفر إلى السعودية وقطر وتركيا، وتقديم تنازلات مذلة لأمريكا. وقد يصل الأمر إلى تقديم التنازلات إلى الكيان الصهيوني الإرهابي نفسه. إنما تكون القوة في بناء الإنسان والدولة.
قوة شيعة العراق تكون:
- في العلم.
- وفي الاقتصاد.
- وفي الجيش والمؤسسات الأمنية الوطنية.
- وفي القانون.
- وفي الإدارة الكفوءة.
- وفي النظام السياسي القادر على اتخاذ القرار.
- وفي وحدة الصف عند القضايا الكبرى.
- وفي إنتاج نخبة سياسية لا تتنازل عن حقوق جمهورها مقابل مكسب شخصي أو منصب عابر.
وقبل ذلك كله، قوتهم في أن يتخلصوا من واحدة من أخطر آفات السياسة: الانقسام الداخلي الذي يجعل الخصم الخارجي أقل حاجة إلى مواجهتهم.
فلا يمكن لمجتمع أن يكون قوياً إذا كان أبناؤه يتنازعون على المكاسب الصغيرة، فيما تُصنع القرارات الكبرى من فوق رؤوسهم. ولا يمكن أن تكون هناك مكانة حقيقية إذا كان السياسي يضع مصلحته الشخصية فوق مصلحة المجتمع، أو إذا تحولت الطائفة إلى مجرد جمهور انتخابي تُستدعى عواطفه في موسم الانتخابات، ثم يُنسى بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
مشروع قوة وطنية لا انغلاق طائفي
إن شيعة العراق بحاجة إلى مشروع قوة وطنية، لا إلى مشروع انغلاق طائفي. فالقوة التي تحمي الشيعة حقاً هي القوة التي:
- تحمي الدولة العراقية نفسها.
- تضمن فيها المواطنة العادلة.
- تمنع عودة الاستبداد.
- تمنع كذلك تحويل الدولة إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب والعوائل والنخب.
والقوي الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر، وإنما من يستطيع أن يجعل الآخرين يحترمون حقوقه من دون أن يضطر إلى الصراخ.
لذلك، فإن المجاملات السياسية لا تكفي. والابتسامات الدبلوماسية لا تكفي. والبيانات الإنشائية لا تكفي. والاعتماد على أن الآخرين سيحترموننا لأننا نريد السلام لا يكفي.
فالسلام نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. والتعايش يحتاج إلى قوة قانونية تحميه. والحقوق تحتاج إلى دولة تحميها. والاستقلال يحتاج إلى إرادة سياسية تحميه. والكرامة تحتاج إلى مجتمع يعرف قيمتها، ولا يسمح بتحويلها إلى ورقة مساومة.
القوة تبدأ من الداخل
إن المطلوب من شيعة العراق اليوم ليس أن يخافوا من الآخرين، بل المطلوب منهم:
- أن يتوقفوا عن الخوف على أنفسهم من أنفسهم.
- من انقساماتهم.
- ومن تنافس نخبهم.
- ومن فساد بعض المتصدرين باسمهم.
- ومن ضعف مؤسساتهم.
- ومن تحويل جمهورهم إلى وقود لمعارك سياسية صغيرة.
فليس كل من تحدث باسم الشيعة خدم الشيعة. وليس كل من رفع شعار المقاومة حمى حقوق الناس. وليس كل من جلس في موقع القرار كان جديراً به.
القوة تبدأ من الداخل. ومن لا يستطيع إصلاح بيته السياسي، وتنظيم صفه، ومحاسبة فاسده، واختيار كفوءه، وحماية مؤسساته، لا يستطيع أن يطالب الآخرين باحترامه.
لذلك، فإن المرحلة الراهنة تحتاج إلى عقل مختلف:
- عقل يعرف أن الانفتاح لا يعني الضعف.
- وأن الحوار لا يعني التنازل.
- وأن الوطنية لا تعني التخلي عن الحقوق.
- وأن احترام الآخرين لا يعني السماح لهم بانتقاصك.
يمكن للشيعي أن يكون وطنياً وعراقياً، وأن يحترم شركاءه في الوطن، وأن يمد يده للجميع. وفي الوقت نفسه، يمكنه أن يكون شديد التمسك بحقوقه.
لا تناقض بين الوطنية والقوة. والدولة الوطنية القوية هي أفضل ضمانة للشيعة ولغيرهم.
أما أن نطلب من الآخرين أن يحترمونا، ونحن لا نحترم قوتنا، ولا نحاسب من يسيء إلينا، ولا نوحد موقفنا في القضايا المصيرية، ثم ننتظر من العالم أن يمنحنا مكانة من تلقاء نفسه، فذلك ليس سياسة، وإنما أمنية. والسياسة لا تُبنى على الأمنيات.
قوة شيعة العراق لحماية الحقوق لا لظلم الآخرين
لهذا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: نحن لا نريد القوة لنهزم الآخرين، وإنما نريدها حتى لا يستطيع الآخرون هزيمتنا أو ابتزازنا أو مصادرة حقوقنا.
نريدها قوة دولة، وقوة قانون، وقوة اقتصاد، وقوة وعي، وقوة قرار، وقوة مجتمع.
وعندما يمتلك الإنسان هذه القوة، يصبح أكثر قدرة على التسامح، وأكثر استعداداً للحوار، وأكثر ثقة بالآخرين. فهو لا يدخل الحوار من موقع الضعيف الذي يبحث عن رضا الآخرين، وإنما من موقع الشريك الذي يعرف قدره ويعرف حقوقه.
فاحترام الآخرين لا يُستجدى، وإنما يُبنى. والمكانة لا تُمنح مجاناً، بل تصنعها الشعوب حين تمتلك أسباب القوة والوعي والكرامة.
وهذه، في تقديري، واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن يفهمها شيعة العراق في هذه المرحلة: لا تعيشوا على أمجاد الماضي، ولا تراهنوا على عاطفة الآخرين، ولا تجعلوا المجاملة بديلاً عن القوة.
ابنوا قوتكم، أصلحوا بيتكم، قوّوا دولتكم، احموا حقوقكم، وكونوا عراقيين أقوياء لا يظلمون أحداً، ولا يسمحون لأحد بأن يظلمهم.
فالقوة التي لا تحمي العدالة تتحول إلى ظلم، والعدالة التي لا تحميها القوة تتحول إلى أمنية.


