الأصالة والمعاصرة وإشكالية المصطلح
على الرغم من إشكالية المصطلحين، وما دار حولهما من خلاف بالنسبة إلى تحديد دلالاتهما على مستوى الساحة الثقافية العربية والإسلامية منذ بداية النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإن سؤال الأصالة والمعاصرة بقي حاضراً في الوعي العربي. وقد تمثل الخلاف، في بداياته، بعلاقة الشرق بالغرب أولاً، ثم وصل إلى هذا التاريخ حيث أصبح الخلاف يدور أيضاً حول مفهومي الأصالة والمعاصرة أو الحداثة.
إلا أننا نستطيع أن نحدد دلالات كل منهما بشكل أولي، من خلال اطلاعنا على جوهر هذا الصراع بين من كان من مؤيدي التمسك بالتراث والشرق، وبين من يدعو إلى الأخذ من الغرب والمعاصرة أو الحداثة. كما يشمل هذا الصراع من كان يعمل على التلفيق أو التوفيق بينهما، تحت مسميات تلاقح الحضارات، أو حوار الحضارات، وما إلى ذلك.
التراث ومعايير النظر إليه
لقد تبين لنا أن التراث، في سياقه العام، هو كل ما أنجزه الأسلاف للأخلاف، بغض النظر عن مدى فائدة أو عدم فائدة ما أُنجز بالنسبة إلى ما نعيشه الآن. فمعايير التقويم هنا ليست واحدة تجاه التراث، بل هي مختلفة بالنسبة إلى من اشتغل عليه من الكتاب والباحثين.
وتلعب عوامل كثيرة دوراً في إطلاق الأحكام على التراث. فمنها ما يرتبط بنوعية وعمق ثقافة المهتم أو الدارس، ومنها ما يتصل بطبيعة المصالح المادية والمعنوية المرتبطة بهذا التراث. ومنها كذلك مدى قوة المعاصرة وسعة انتشارها في المحيط الذي توجد فيه، إضافة إلى دور القوى السياسية الحاكمة وتوجهاتها الفكرية والسياسية أو الأيديولوجية بشكل عام. كما يرتبط الأمر أيضاً بطبيعة العلاقة التي يقيمها هذا المجتمع أو ذاك مع الغرب ذاته.
المعاصرة بين الغرب والتطور الداخلي
أما المعاصرة، فهي تتحدد هنا، برأيي، في اتجاهين.
الأول: هو كل ما أنتجه الغرب من قضايا مادية وفكرية، وفُسح لها المجال أن تعبر محيطها الجغرافي والاجتماعي إلى العالم الآخر. وقد حدث ذلك بفعل التطور الهائل الذي حققته هذه المجتمعات الغربية على المستوى التكنولوجي والعلمي عموماً من جهة، وبفعل الاستعمار وتأثيراته على الدول المستعمرة بكل أشكالها من جهة ثانية، وأخيراً بفعل ما حققته مسألة التلاقح والتفاعل الحضاري، نتيجة التطور التكنولوجي الهائل، ومنه الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا الاتصالات، من جهة ثالثة.
الثاني: هو ما تفرزه طبيعة التطور الموضوعي والذاتي التي تحدث للمجتمعات عموماً في سياق سيرورتها وصيرورتها التاريخيتين. فالتطور يُحدث دائماً ما هو جديد، أي ما هو معاصر أو حداثي، وهذا أمر طبيعي. لذلك غالباً ما يُعتبر الجديد بدعة لدى بعضهم، حتى ولو كان نتاج الواقع ذاته، مثلما يُعتبر أمراً إيجابياً لدى بعض آخر.
هذه هي معطيات الأصالة والمعاصرة وتجلياتهما كما نفهمها، أو ما يتطلب منا البحث فيهما بالنسبة إلى طبيعة الموضوع الذي نشتغل عليه هنا.
تأثير الأصالة والمعاصرة في المجتمع العربي
نعود ثانية للإجابة عن السؤال المطروح في هذا الاتجاه لنقول: إذا كان الكثير من قضايا التراث المتعلقة بأسلوب الحياة، مثل نمط العيش عموماً، ودرجة ضعف أو قوة قوى وعلاقات الإنتاج، وما ترتب عليهما من تطور في الأسلوب الإداري والمؤسساتي للدولة والمجتمع، قد تغير في قسم كبير منه بفعل عوامل التطور الموضوعي والذاتي التي تصيب المجتمع من الداخل، ثم بفعل التأثر بالحضارة الغربية، فإن هذا التطور فرض نفسه بالضرورة على كل من حاول الوقوف أمام استبدال «العمامة بالطربوش» سابقاً. وينسحب ما في هذا المثال على مستويات كثيرة، سابقاً ولاحقاً.
لكن الكثير من قضايا التراث على المستوى الفكري، وبخاصة ما يتعلق منها بالجانب القيمي والأخلاقي والسياسي والفكري الرافض للديمقراطية، والعلمانية، والليبرالية، والحداثة، وتحرر المرأة، وما إلى ذلك، لم تزل قائمة ومهيمنة على عقول أبناء المجتمع. ولها من القوة ما يجعلها قادرة على عرقلة تطور المجتمع وشده إلى الوراء.
بل إن هذه القضايا تجعل المجتمع يمارس سلوكيات، ويتمسك بمرجعيات تقليدية تجاوزها الزمن. وقد أخذت تجعل من المتمسكين بها، مثل داعش والنصرة على سبيل المثال لا الحصر، بنظر الغرب على وجه الخصوص، كائناً إرهابياً مرفوضاً على مستوى الساحة العالمية، كما نرى ونسمع ونعيش في هذه الأيام.
صراع التراث والمعاصرة وإعادة إنتاج السلبيات
إذاً، لا يزال التراث والمعاصرة في حالات تناقض وصراع على مستوى المجتمع بكل قواه الاجتماعية، وخاصة على المستوى الفكري. وما زلنا نجد الكثير ممن يشتغل على إعادة إنتاج الجوانب السلبية في هذا الاتجاه.
وقد وُظف الكثير من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية التي تشتغل على الفكر الطائفي، ورفض الآخر، وضرورة التمسك بكل ما أنتجه الأسلاف. كما جرى اعتبار الغرب كافراً وملحداً، واعتبار كل من يحاول التأثر به، أو الأخذ منه، أو التسويق حتى لقضاياه الإيجابية، معادياً للأمة والإسلام.
الأصالة والمعاصرة وسؤال التحرر الذاتي
هكذا نرى أن مسألة التحرر الذاتي بالنسبة إلينا لم تتحقق بعد. فنحن أمة لم يزل ثقل سلبيات الماضي ينيخ على ظهورنا وعقولنا. ولم نستطع، بفعل هذا الحمل الذي ما زال الكثير من أبناء مجتمعنا يزيدون من كلكله ويعملون على إعادة إنتاج مقوماته في عصرنا الراهن، أن ندخل التاريخ كما ينبغي.
لقد جعل منا ذلك أمة خارج التاريخ، في الوقت الذي نمتلك فيه كل المقومات التي تستطيع أن تدخلنا التاريخ وبقوة، لو عرفنا كيف نتعامل مع هذه المعطيات.
كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.


