أسرى حرب الخليج وصرخة الحق المؤجلة
في مشهد موجع يختصر خيبة السنين، خرج أسرى حرب الخليج الثانية اليوم يرفعون أصواتهم لا طلباً لصدقة، بل مطالبة بحقوق سُلبت منهم منذ عقود.
رجال شابت رؤوسهم وهم ينتظرون إنصافاً لم يأتِ.
رجال حملوا أوجاع الحرب في أجسادهم، وعادوا ليجدوا أن المعركة لم تنتهِ، بل تغيرت وجوهها فقط.
فقد وقفوا بصدور عارية أمام قوات الشغب، فكان الرد عصياً تنهال على ظهور من حملوا اسم العراق يوماً في ساحات القتال.
وهذه الشريحة، التي تجاوز عددها عشرات الآلاف، ما زالت حتى اليوم تطالب بحقوق تقاعدية واستحقاقات قانونية لم تُنفذ، رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً.
ولم يكن خروجهم إلا صرخة حق في وجه صمت طويل.
لكن ما حدث اليوم يعيد طرح السؤال المؤلم: كيف يتحول صاحب الحق إلى متهم؟ وكيف يصبح من ضحى للوطن هدفاً للضرب والإهانة؟
من ساحات المطالبة إلى ميادين القمع
إن ما جرى لا يمكن فصله عن واقع مرير تعيشه البلاد، حيث تتكرر مشاهد الاحتكاك بين المتظاهرين والقوات الأمنية، واستخدام القوة لتفريقهم كما حدث في أكثر من مناسبة سابقة.
وهكذا تتحول ساحات المطالبة بالحقوق إلى ميادين قمع، بدل أن تكون منابر عدالة.
إن القرآن الكريم وضع ميزان العدل واضحاً حين قال:
(ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون)
إبراهيم: 42.
وقال تعالى:
(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)
الشعراء: 227.
فأي ظلم أكبر من أن يُضرب من ضحى؟ وأي قسوة أقسى من أن تُهان شيبة تنتظر إنصافاً؟
وقد جاء في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
«اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».
وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام:
«الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم».
إنها ليست مجرد حادثة عابرة، بل جرح مفتوح في جسد الوطن.
جرح يكشف حجم الهوة بين من ضحى ومن حكم، وبين من صبر ومن نهب، وبين من حمل السلاح دفاعاً عن العراق ومن يوجه السلاح اليوم إلى صدور أبنائه.
أسرى حرب الخليج بين الوعود والخذلان
هؤلاء لم يخرجوا عبثاً، بل خرجوا بعد أن ضاقت بهم السبل، وبعد أن أُغلقت الأبواب في وجوههم، وبعد أن تحولت الوعود إلى سراب.
خرجوا بعد أن نُهبت ثروات البلاد، وبقي أصحابها الحقيقيون على الأرصفة ينتظرون إنصافاً لا يأتي.
سيبقى هذا المشهد وصمة عار في جبين كل من صمت، وكل من أمر، وكل من نفذ.
سيبقى صوت العصي وهي تنهال على ظهور الأبطال شاهداً على زمن انقلبت فيه الموازين، وأصبح فيه الحق غريباً في وطنه.
لكن اعلموا أن دمعة المظلوم نار، وأن صبره بركان، وأن التاريخ لا يرحم. واعلموا أن دعوة المكسور، إذا ارتفعت، لن يوقفها شيء.
وحينها لن تنفع المناصب، ولا الحمايات، ولا الجدران العالية. وسيكتب العراق بدموع أبنائه أن الظلم ساعة، والحق إلى قيام الساعة.
إهانة الأبطال وسؤال العدالة
هكذا تكرمون أبطال العراق، أسرى حرب الخليج الثانية، بعصيكم وقسوتكم؟ كأنهم لم يكونوا يوماً درعاً لهذا الوطن، وكأن دموعهم لا تعني لكم شيئاً.
هل هؤلاء نهبوا ثروات العراق، أم أنكم أنتم من فتحتم الأبواب للفساد حتى صار الوطن غنيمة بين أيديكم؟
أيها الجالسون على كراسي لا تشبهكم، سيأتي يوم تقفون فيه أمام تاريخ لا ينسى، وضمير شعب لا يموت.
يوم تنكشف فيه الوجوه، وتسقط فيه الأقنعة، ويعلو فيه صوت المظلوم فوق كل صوت.
عندها فقط ستدركون أن من أهنتموهم كانوا أشرف منكم، وأن العراق الذي جرحتموه سيقتص من كل من باعه وخذله.


