إيران: راديكالية التفاوض أم براغماتية الاستسلام؟

إيران: راديكالية التفاوض أم براغماتية الاستسلام؟
يناقش النص وهمَ حل أزمات إيران عبر التفاوض مع واشنطن، مستندًا إلى تجارب الاتفاق النووي ونماذج ليبيا والعراق وأوكرانيا، ليخلص إلى أن التنازلات تمهّد لتغيير النظام، وأن المفاوضات بلا ثوابت ليست إلا استسلامًا مقنّعًا...

هكذا، وبكل بساطة، يتصوّر البعض أن الحل السحري لأزمات إيران الداخلية والخارجية يكمن في جلوسها على طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة، وحلّ جميع الإشكاليات القائمة بينهما براغماتيًا، لتنعم المنطقة بعدها بالهدوء والاستقرار، ويبتعد شبح الحرب وإسقاط النظام عن طهران إلى الأبد.

دون أن يلتفت أصحاب هذا الرأي إلى أصل المشكلة القائمة بين الدولتين وجذورها العميقة، بتشعباتها العقدية والسياسية والأمنية، وكذلك الاقتصادية…

ومع ذلك، فإن الجميع يعلم أن إيران في عهد روحاني انخرطت في مفاوضات معمّقة ومعقّدة مع الجانب الأميركي، تُوِّجت بالاتفاق النووي عام 2015. ورغم إشادة الإمام الخامنئي بجهود وفد بلاده المفاوض، فإنه لم يتطرّق إلى موافقته على الاتفاق، بل وأبدى رفضه لآلية الزناد، وكان يكرّر في عدة مناسبات أن عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من إبرام اتفاق سيّئ.

ومع هذا كله، أعلن الرئيس الأميركي ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، والبدء بفرض عقوبات قاسية جدًا على الجمهورية الإسلامية، وصفها هو بنفسه بأنها الأقسى في تاريخ الأمم المتحدة، وسُمّيت فيما بعد بسياسة «الضغط الأقصى».

ومبالغةً في إلقاء الحجة على الأعداء والأصدقاء، وسحبًا للذرائع التي تتحجج بها أميركا والغرب عمومًا، لم يمانع قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، من عودة إيران إلى المفاوضات، شريطة الحفاظ على هذه الثوابت، وهي: استمرار التخصيب، ورفض تجميد الأبحاث والتطوير، ورفع جميع العقوبات، والاستفادة من التكنولوجيا النووية، وعدم التراجع عن المبادئ الأساسية، والحفاظ على الكرامة الوطنية.

وفي الوقت الذي كانت فيه إيران مستعدة لخوض الجولة السادسة من المفاوضات في مسقط، شنّت إسرائيل، ومعها أميركا، هجومهما على منشآتها النووية، واغتالت العديد من قادة الخط الأول في الجيش والحرس الثوري.

ومع ذلك، تعالت الأصوات المطالِبة بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات مجددًا، فما هي فحوى هذه المطالبة؟ وما هي جدوى المفاوضات إن لم تُراعَ النقاط التي حدّدها القائد الخامنئي، غير أنها دعوة إلى الاستسلام؟!

نعم، إنها ليست دعوة إلى التفاوض بقدر ما هي محاولة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في الحرب، ولذا لا بد من التذكير بمصير بعض الأنظمة والدول التي تخلّت عن أسلحتها ودخلت في مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهي كما يأتي:

1- النموذج الليبي: ففي عام 2003 أعلنت ليبيا التخلي الكامل عن برنامجها النووي وأسلحة الدمار الشامل، وفتحت منشآتها للتفتيش، ودخلت في تطبيع وتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا.

لكن الذي حدث في عام 2011 هو تدخل عسكري غربي (بدعم أميركي) أدى إلى إسقاط النظام ومقتل القذافي.

2- النموذج العراقي وصدام حسين:

فبعد عام 1991، وافق العراق على تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل تحت إشراف دولي، بالتعاون مع المفتشين الدوليين في مراحل متقدمة.

لكن الذي حصل في عام 2003 هو غزو أميركي بحجة امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل (رغم عدم ثبوتها لاحقًا)، وكانت النتيجة سقوط النظام، وإعدام صدام، وتفكك الدولة.

3- النموذج الأوكراني:

فقد قامت أوكرانيا بنزع سلاحها النووي عام 1994، وتخلّت عن ثالث أكبر ترسانة نووية في العالم مقابل ضمانات أمنية (مذكرة بودابست) موقّعة من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا.

وكانت النتيجة في عام 2014 ضمّ القرم، وفي عام 2022 حربًا شاملة.

وهكذا، بل سيحصل مع إيران أكثر من ذلك لو أنها استرسلت في تقبّل الإملاءات الأميركية. فأميركا لا تريد إنهاء الملف النووي الإيراني فحسب، بل تتّخذه ذريعة لتغيير النظام في الجمهورية الإسلامية، والانطلاق منها إلى تغيير المنطقة بالكامل، ومن ثم الانتقال إلى فرض هيمنتها الإطباقية على العالم بأسره، ليصدق بعدها قول فوكوياما بـ«نهاية التاريخ».

وهذا ما تخطط له أميركا وتسعى إلى تحقيقه، سواء كان عبر المفاوضات أو من غيرها.

لكن يبقى الخيار الآخر، والطريق المثالي والمنطقي، لا لرفض المفاوضات ولا للانخراط فيها على حساب الثوابت، ولا للعودة إلى الوراء والعبثية. وإن فُرضت الحرب، فإن خسائرها لن تطال إيران وحدها، بل ستلحق بأعدائها جميعًا، بينما العودة إلى المفاوضات وتقديم التنازلات سيكون من نصيب الجمهورية وحدها، وعند ذاك ستنهار، وينهار نظامها الإسلامي بالكامل، لا سمح الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *