كان العراق، في تلك السنوات المثقلة برائحة الرماد، يشبه قلبًا قديمًا ظلّ يخفق رغم الجراح التي عبرت فوقه كالسكاكين. المدن كانت تئنّ تحت ثقل الظلام، والشوارع التي عرفت ضحكات أطفالها لعقودٍ طويلة تحوّلت إلى طرقاتٍ تتبعثر فيها خطوات الخوف، وبعد أن تنفس أهله عبير الحرية والتحرر من الديكتاتورية، كثرت المؤامرات وضاق اعداء العراق ذرعًا بما حصل به من تغيير، فبدأت صفحة المؤامرة بتهيأة التنظيم الإرهابي وتم التخطيط له من قبل اعداء التغيير في العراق بالداخل والخارج. وبدأ المخطط بدخول الموصل، تلك المدينة التي كانت تُحاكي الفجر في وقوفها على ضفاف التاريخ، سقطت لوهلةٍ بين أنياب الوحش، وكأنّ يدًا سوداء حاولت أن تمحو ذاكرة بلادٍ لا تُمحى. لكنّ العراق، كما هو دائمًا، حين ينحني أمام العاصفة، ينهض بعدها أكثر صلابة، كجبلٍ غسلته السماء بالمطر. لم يكن صعود داعش حدثاً عابراً؛ كان جرحاً في خاصرة الوطن، وكابوساً كاد أن يبتلع الحلم كله. غير أنّ في هذه الأرض شيئا أكبر من الخوف، شيئا يشبه النار حين ترفض أن تنطفئ. تلك النار هي روح العراقيين، الروح التي حملت ملامح الأجداد الذين دافعوا عن تراب الرافدين منذ أن بدأ التاريخ يخطّ سطوره الأولى. وحين حاول الظلام أن يُطفئ هذا الضوء، جاء النداء من النجف، نداءٌ يشبه الصرخة الأولى في ولادة جديدة. وارتجّت الأرض تحت خطوات الرجال الذين عرفوا أن الوقت ليس للبكاء بل للوقوف. ومن رحم ذلك النداء وُلد الحشد الشعبي، لا كقوة نظامية، بل كفيضٍ شعبيّ خرج من قلب العراق نفسه. رجالٌ بسطاء، خرجوا بثيابهم التي لطالما عرفتها الحقول والدكاكين والورش، فإذا بهم يقفون فجأة على جبهات النار، كأنّ البطولة كانت تنتظرهم منذ زمن طويل. وجوههم السمراء حملت غبار الطريق، لكن قلوبهم حملت وهج البلاد كلها. لم يذهبوا إلى الحرب بحثاً عن مجد شخصي، بل ذهبوا ليحموا بيتهم الكبير الذي اسمه العراق. وفي مقدمة هؤلاء وقف أبو مهدي المهندس، الرجل الذي كان يشبه حكمة الشيخ وجرأة الشاب في آن واحد. كان يتحرك على الجبهات كأن الأرض تعرفه، كأنها تفتح له الطريق احترامًا. لم يكن قائدا يكتفي بالأوامر، بل كان رجلًا ينام على التراب مع جنوده، يشاركهم لقمة الطعام وعرق النهار وثقل الليل. في ملامحه كانت تسكن هالة الأبوة، وفي صوته كانت تختبئ قوة العزم، وفي خطواته كان العراق يرى صورة نفسه، صورة ذلك الرجل الذي لا يتراجع مهما اشتدت النار. وبجانبه، كتوأم الروح في درب التحرير، كان يقف قاسم سليماني، القادم من وراء الحدود ولكن بقلبٍ يعيش داخل هذه الأرض. كان حضوره يشبه القصيدة التي يتناقلها الناس من دون أن يعرفوا من كتبها، قصيدة عن الفداء والوفاء. كثيرون شهدوا أنه كان أول من يصل إلى الجبهة وآخر من يغادرها. لم يعرف معنى التردد، ولم ينظر يومًا إلى المعركة من خلف الزجاج. كان يرى في العراق وطنا روحيا، ويدرك أن هزيمته ستكون جرحا للإنسانية كلها. لذلك قاتل كما يقاتل العاشق، لأنه رأى في المعركة دفاعًا عن روح الشرق، وعن معنى الكرامة حين تتجلى في وجوه المظلومين. وحول هذين الرجلين، امتدّت جموع المقاتلين كأنها غابة من السواعد. في سامراء كانوا يقفون كتحصينات بشرية حول ضريحٍ لا يُمسّ، وفي بيجي كانوا يواجهون نارًا تتلوّى، وفي الفلوجة كانوا يدخلون الأزقة التي حاول الظلام أن يختبئ فيها. كانت معارك التحرير صفحاتٍ كتبتها الأقدام على التراب قبل أن تكتبها الأقلام على الورق. كل طلقة، كل شهقة تعب، كل دعاء رُفع في قلب الليل، كان يصنع معجزةً صغيرة تضاف إلى معجزة العراق الكبرى. وحين جاء يوم الانتصار، كانت السماء أقرب إلى الأرض من أي زمنٍ مضى. رفع المقاتلون العلم العراقي فوق أطلال المدن التي تحررت، كمن يرفع قلبه نحو السماء. كانت الريح تمرّ على اللون الأحمر فتسمع فيه نبض الشهداء، وتمرّ على الأبيض فتجد صفاء النية التي قاتل بها الرجال، وتمرّ على الأسود فتتذكر تاريخًا طويلًا من الوقفات التي لم تنكسر. في تلك اللحظة، شعر العراقيون أن الليل الذي حاول أن يخنقهم قد تراجع إلى الوراء، وأن الصبح الذي خرج من تحت الدخان كان أكثر إشراقا مما توقعوا. لكن الانتصار لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الجديدة. العراق الذي خرج من تحت الركام لم يعد هو العراق الذي دخل الجرح. صار أشدّ وعيا، وأكثر فهما لقوته الداخلية، معرفةً بأن أبناءه، حين يتوحدون، يصبحون سدًا لا تُخترق جدرانه. وحتى المدن التي دفعت الثمن الأكبر، المدن التي احترقت بلهيب الحرب، عادت تنبض من جديد، كطائر الفينيق الذي ينهض من رماده ليقول إنه لا يموت. وفي ذاكرة العراقيين، سيظل اسما أبي مهدي المهندس وقاسم سليماني مشتعلاً كالشمعتين اللتين أضاءتا طريق التحرير. ليس لأنهما قادا الحرب فقط، بل لأنهما حملا الروح التي جعلت النصر ممكنًا. كانا مثل جذعين قويين تمتد عليهما أغصان كثيرة من الشهداء والمقاتلين والأمهات اللواتي ودّعن أبناءهنّ بدموعٍ تلمع كحبات المطر. سيظل اسماهما محفوظين في ذاكرة الأرض التي بلّلها دمهما، وفي قلوب الرجال الذين ساروا خلفهما. وهكذا سيبقى انتصار العراق على عصابات داعش حكايةً تُروى للأجيال، ليس كحادثة عسكرية، بل كملحمة إنسانية تُثبت أن الأرض التي أنجبت جلجامش والحسين والرصافي والسيّاب ما زالت قادرة على إنجاب من يدافع عنها حتى آخر نبض. وستكبر الأجيال وهي تعرف أن العراق، مهما مرّ عليه الليل، سيظل قادرا على إشعال فجرٍ جديد، ما دام في صدور رجاله قلبٌ يخفق، وفي ذاكرتهم اسم وطنٍ لا يمكن أن يسقط مهما تكاثف الظلام فوقه.


