لا تصنع الأمم انتصاراتها في أوقات الرخاء، بل في لحظات الانكشاف القصوى، حين يتخاذل المتخاذلون، ويزداد خطر الأعداء، ويُترك المجتمع عاريًا أمام العنف والخراب. نعم ففي تلك اللحظة الفاصلة من تاريخ العراق والمنطقة، لم يكن ظهور أبي مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني حدثاً عابراً، بل كان ضرورة تاريخية فرضتها معادلة عالم لا يحترم السيادة إلا بقدر ما تُحمى بالقوة.
حين اجتاح تنظيم “داعش” المدن العراقية عام 2014، لم تكن الدولة وحدها مهددة، بل كان مبدأ الدولة ذاته على وشك الانهيار. سقطت الجغرافيا، وتفككت المؤسسات، وانهارت الخطوط الدفاعية التي طالما قيل إنها كافية لحماية الوطن. في تلك اللحظة، لم يتقدّم القانون الدولي، ولم تحضر القيم الإنسانية، ولم تُفعّل قرارات الأمم المتحدة. ما حضر فقط هو السلاح المؤمن بقضيته، والقيادة التي قرأت الخطر بوصفه خطر وجود لا أزمة عابرة.
فبعد ما رد ما يسمى بالحلفاء بأن القضاء على “داعش” يحتاج إلى خمس وثلاثين سنة ، برز أبو مهدي المهندس بوصفه رجل المرحلة بامتياز؛ لا قائداً ميدانياً فحسب، بل عقلاً تنظيمياً أدرك أن المعركة مع “داعش” ليست معركة بنادق فقط، بل معركة كسر مشروع يستهدف تفكيك العراق من الداخل. لقد أسهم المهندس في تحويل الاستجابة الشعبية العفوية إلى قوة منظمة، تمتلك عقيدة قتال واضحة، وتعمل ضمن هدف محدد هو حماية الأرض والإنسان والدولة معًا. لم يكن الحشد الشعبي، في هذه القراءة، نقيضًا للدولة، بل درعها الأخير حين تهاوت كل الدروع، وسندها ومن به استعادت الدولة هيبتها. وبإيمان وعقيدة الحاج قاسم سليماني الذي مثّل البعد الإقليمي الواعي لهذه المعركة، استطاعا معادلة ميزان القوى، وكبح جماح القوى الإرهابية من التمدد داخل العراق ومن ثم القضاء عليها وإلى الأبد. فلم يأتِ سليماني إلى العراق بصفته متفرجًا أو مستثمراً سياسياً، بل بوصفه قائداً يرى في سقوط بغداد خطراً يتجاوز حدودها الجغرافية. لقد أدرك أن المعركة ضد “داعش” ليست عراقية فحسب، بل معركة كسر لمشروع تفكيكي عابر للحدود، وأن أي تراجع في العراق سيعني تمدد الفوضى إلى عمق المنطقة. من هنا، كان حضوره حضور شريك في الدم والمصير.
إن التكامل بين الشهيدين لم يكن علاقة تبعية أو تنسيق شكلي، بل وحدة رؤية في لحظة مصيرية. فالمهندس يعرف الأرض والناس والتاريخ العراقي المعقّد، وسليماني يمتلك الخبرة في إدارة الحروب غير المتكافئة وبناء معادلات الردع. هذا التلاقي هو ما صنع الفارق في أكثر مراحل الحرب خطورة، وهو ما أعاد رسم ميزان القوة لصالح العراق ومحوره، ولمع المزيد عن العلاقة الحميمية بينهما فليراجع كتابنا “رحلة البحث عن الحقيقة والخلود من سلمان إلى سليماني”.
من هنا، فإن توصيف الرجلين بوصفهما “قادة نصر” ليس توصيفاً رمزياً أو عاطفياً، بل توصيف واقعي يستند إلى حقيقة أن النصر لم يكن ليتحقق لولا السلاح الذي امتلك الإرادة، ولولا القيادة التي رفضت الاستسلام لمنطق الهزيمة. فالنصر، في عالم تحكمه شريعة القوة، لا يُقاس بالنوايا ولا بالبيانات، بل بالقدرة على منع العدو من فرض إرادته.
وبعد ما تحقق من نصر مبين على الجماعات الإرهابية التي بذلت قوى الاستكبار كل ما بوسعها في تحقيق ما تصبوا إليه، جاء اغتيال أبي مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني ليؤكد حجم الدور الذي لعباه، لا لينهيه. فالاستهداف المباشر لهما لم يكن استهداف شخصين، بل استهداف معادلة ردع أثبتت فعاليتها. غير أن الدم الذي سُفك عند بوابة مطار بغداد لم يُطفئ الفكرة، بل ثبّتها في الوعي الجمعي بوصفها خياراً لا يمكن تجاوزه في زمن الهيمنة والمخططات الإمبريالية التي تريد الهيمنة على الشعوب.
إن قراءة تجربة الشهيدين قراءة تاريخية منصفة، لا تعني تحويلهما إلى أسطورة معصومة، ولا اختزال تجربتهما في معركة واحدة، بل الاعتراف بأنهما شكّلا حاجز الصدّ الأخير في لحظة كانت فيها المنطقة على شفا انهيار شامل. وسيبقى اسماهما مرتبطين بتلك اللحظة التي انتصرت فيها الإرادة على الفوضى، والسلاح المؤمن بقضيته على مشروع الذبح والخراب.
وفي زمن لا يفهم فيه الأقوياء إلا لغة القوة، يبقى إرث أبي مهدي المهندس والحاج قاسم سليماني شاهدًا على حقيقة واحدة مفادها أن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن النصر لا يُوهب، بل يُصنع بأيدي الرجال.


