تحولات في العقيدة الأمنية والدروس الاستراتيجية المستفادة الاستاذ الدكتور محمد كريم كاظم الدفاعي جامعة النهرين /كلية العلوم السياسية المقدمة يمثل يوم النصر العظيم محطة تاريخية تستحق الدراسة العلمية العميقة لأنها ليست مجرد لحظة سياسية أو عسكرية، بل هي تحوّل استراتيجي على مستوى الدولة والمجتمع والجغرافيا السياسية للمنطقة. لقد أظهر العراق قدرته على الصمود أمام أخطر تنظيم إرهابي عرفه العالم المعاصر، واستطاع تحويل نكسة 2014 إلى قصة نجاح وطني شاركت فيها جميع مؤسسات الدولة والمجتمع. تكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يقدم نموذجًا فريدًا لتحول الصراع من حالة الانهيار المؤسساتي إلى استعادة السيادة، وهو ما يجعل دراسة التجربة العراقية ضرورة لفهم ديناميات مكافحة الإرهاب، وإدارة الأزمات، وإعادة بناء الدول في بيئة مضطربة. السياقات البنيوية لظهور تنظيم داعش في العراق 1. الأزمة السياسية بعد 2003 شهد العراق بعد التغيير السياسي أزمات سياسية متكررة، أبرزها: • ضعف التوافق السياسي بين المكونات. • غياب مشروع وطني جامع. • تحديات كتابة الدستور وتوزيع السلطات. • اعتماد القوى السياسية على شبكات المحاصصة. هذه العوامل أدى مجموعها إلى خلق بيئة تسمح بصعود الحركات المتطرفة التي استغلت الانقسامات السياسية. 2. التحديات الأمنية والفراغ المؤسسي مرّ العراق بمراحل متعاقبة من التفكك الأمني: • حلّ الجيش السابق دون بناء بديل جاهز. • ضعف منظومات التدريب والتسليح والاستخبار. • اعتماد الدولة على قوات متفرقة غير منسّقة. ومع انهيار ثلث البلاد عام 2014، أصبحت المعادلة الأمنية بحاجة إلى إعادة بناء كاملة. 3. المتغيرات الإقليمية والدولية استفاد داعش من: • الحرب السورية وتحوّل الحدود إلى فراغ أمني. • ضعف التنسيق الدولي في السنوات الأولى. • دعم شبكات تمويل غير قانونية عبر حدود إقليمية واسعة. مراحل تمدد داعش في العراق 2014 1. سقوط الموصل شكّل سقوط الموصل صدمة استراتيجية، ليس بسبب خسارة المدينة بحد ذاتها، بل بسبب: • انهيار القيادات الميدانية. • ضعف السيطرة المركزية. • تراجع الروح القتالية في وحدات الأمن. • استيلاء التنظيم على معدات عسكرية ضخمة. 2. السيطرة على الأنبار وصلاح الدين اتبع التنظيم استراتيجية السيطرة على المدن الكبرى ثم التمدد إلى المناطق الريفية، مؤمّنًا لنفسه: • عمقًا جغرافيًا. • مصادر تمويل وسلاح. • بيئة حاضنة اضطرارية نتيجة غياب الدولة تحولات القوة العراقية بعد فتوى الجهاد الكفائي 1. الفتوى كحدث مفصلي أصدرت المرجعية العليا في النجف فتوى الجهاد الكفائي في حزيران 2014، لتكون نقطة التحول الاستراتيجية الأهم. وقد أدت إلى: • تعبئة جماهيرية واسعة. • استنهاض طاقات المجتمع. • ظهور تشكيلات الحشد الشعبي. 2. إعادة بناء القوات المسلحة تم إعادة هيكلة الجيش على أسس: • تحديث القيادات. • تعزيز التدريب. • دمج الخبرات القتالية. • بناء وحدات جديدة مثل الفرقة الذهبية وجهاز مكافحة الإرهاب. 3. التحالف الدولي ودوره التكميلي قدّم التحالف دعمًا جويًا واستخباريًا، لكنه لم يكن البديل عن الجهد العراقي، بل عاملًا مساعدًا في معركة عراقية الهوية الاستراتيجية العراقية لتحرير المدن 1. تحرير تكريت (2015) كان تحرير تكريت أول اختبار فعلي لقدرة العراق على استعادة الأراضي، وقد أظهر: • قوة التنسيق بين الجيش والحشد الشعبي. • كفاءة العمليات المشتركة. 2. تحرير الرمادي والفلوجة مثّلت معارك الأنبار اختبارًا لقدرة الجيش على القتال في بيئة مفتوحة وصحراوية، وقد حققت نجاحات متسارعة. 3. معركة الموصل (2016–2017) أكبر معركة في العراق الحديث. تميّزت بـ: • انخراط كل صنوف القوات. • حرب شوارع معقدة. • عمليات دقيقة لتقليل الخسائر بين المدنيين. : إعلان النصر العظيم 2017 في 10 كانون الأول 2017 أعلن القائد العام للقوات المسلحة تحرير كامل الأراضي العراقية. كان الإعلان: • تتويجًا لثلاث سنوات من القتال. • دليلًا على استعادة الدولة لسيادتها. • نقطة تحول في تاريخ الأمن الوطني العراقي. سادسًا: الدلالات العسكرية والسياسية للنصر 1. الدلالات العسكرية • بناء قدرات قتالية متطورة. • إعادة الاعتبار للجيش العراقي. • تعزيز التنسيق بين الصنوف الأمنية. 2. الدلالات السياسية • توحيد الإرادة الوطنية. • تحسين صورة الدولة داخليًا وخارجيًا. • تقوية موقع العراق في مبدأ الأمن الإقليمي. 3. الدلالات المجتمعية • صعود الشعور الوطني الموحد. • دعم مجتمع مدني نشط في إغاثة النازحين. • تقليل الانقسامات المجتمعية. : التحديات بعد النصر 1. ملف النازحين يُعد من أصعب التحديات بسبب: • الدمار الواسع. • ضعف الخدمات. • الحاجة إلى برامج نفسية–اجتماعية. 2. إعادة الإعمار تحتاج المدن المحررة إلى: • استثمارات ضخمة. • خطط طويلة الأمد. • شراكات دولية. 3. مكافحة التطرف فكريًا من خلال: • إصلاح المناهج التعليمية. • حملات التوعية. • إعادة تأهيل بيئات الهشاشة المجتمعية الدروس الاستراتيجية المستفادة 1. أهمية بناء دولة قوية تقوم على مؤسسات محترفة. 2. الاعتماد على الإرادة الوطنية في مواجهة التهديدات.
3. تكامل القوة العسكرية والأمنية والاستخبارية. 4. ضرورة تعزيز مفهوم الأمن الشامل سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
5. تعزيز الدبلوماسية الأمنية مع الجوار الإقليمي الخاتمة يمثل يوم النصر العظيم أكثر من مجرد ذكرى وطنية، بل هو عنوان لمرحلة تحول حقيقية. فقد استطاع العراق إعادة تثبيت سيادته، وترسيخ معادلة جديدة في الأمن الوطني، وتحقيق إنجاز غير مسبوق في محاربة الإرهاب.
وتبرز اليوم مسؤولية استثمار هذا النصر في بناء دولة مستقرة، عادلة، وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل. إن الدروس التي قدمتها التجربة العراقية تشكل نموذجًا يُحتذى في دول تشهد ظروفًا مشابهة، وتشكل أيضًا قاعدة لبحث علمي مستمر في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب وإعادة بناء الدول بعد الصراعات


