قصة طفل الرماد ورجل الأنبار… قدر يقود إلى النجاة بالقرب من حقل صبة… وما بين الناصرية والبصرة اكتشاف غير متوقع في صحراء معزولة

قصة طفل الرماد ورجل الأنبار… قدر يقود إلى النجاة بالقرب من حقل صبة… وما بين الناصرية والبصرة اكتشاف غير متوقع في صحراء معزولة
تروي الحادثة نجاة طفل في صحراء بطريقة قدَرية، وتربطها بحكم الله في قصص موسى ويوسف، مؤكدة أنّ التدبير الإلهي قد يأتي من أضعف الأسباب. وتدعو إلى الثقة بالله، والتفكر، وإدراك أن النجاة قد تُكتب في أدق اللحظات غير المتوقعة....

بالقرب من حقل صبة مابين الناصرية والبصرة وبمنطقة صحراوية غير مأهولة بالسكان كان رجل من اهالي الأنبار يقود شاحنته باتجاه الناصرية قاصدا العودة إلى اهله في الأنبار ، و في تلك المنطقة الصحراوية شاء القدر ان يتوقف ذلك الشخص بالقرب من هيكل عجلة محروق ليقضي حاجته ، نزل الرجل سائق الشاحنة من عجلته ليتوارى خلف خلف هيكل العجلة المحروق بالرغم من عدم وجد أحد إلا من مرور العجلات على ذلك الطريق السريع ، واثناء قضاء حاجته سمع صوت بكاء ، ماهذا ؟ تسائل في نفسه ، من هنا في هذا المكان المنقطع من المارة ؟ البكاء يعلو ، انه صوت طفل صغير ، تحرك نحو مصدر الصوت ، كان رماد العجلة يعج بالمكان ولم يبق من العجلة شي سوى هيكل الحديد ، تبع صوت البكاء ، ماهذا ؟ طفل صغير ملفوف بخرقة بيضاء مرميا على رف حديد احدى اطارات العجلة المحترقة ، كان الطفل يبكي ، وكان الرجل واقفا حائرا مشدوها لما يرى ، لا يعرف ماذا يفعل ؟ احتضن الطفل بيديه ، ثم بادر بالاتصال بالشرطة ، حضرت الشرطة ، أخذت الطفل ، تم التعرف على اهل الطفل و إعادته إلى اهله ، فيما واصل الرجل سائق الشاحنة طريقه باتجاه الناصرية قاصدا اهله في الأنبار .

حادثة مألوفة شكلاً… لكنها مختلفة تماماً مضموناً

ربما تمر هذه الحادثة على الكثير مرور الكرام فرمي الأطفال قرب المستشفيات او في الطرقات او. في حاويات القمامة شيء اعتادت عليه الناس وخصوصا في الاونة الاخيرة نتيجة كثرة العلاقات المحرمة وما ينتج منها من ضحايا يتم الخلاص منهم باي وسيلة هروبا من الفضيحة ، لكن هذه الحادثة مختلفة بكل تفاصيلها فالمنطقة بعيدة عن التواجد السكاني ، طريق سريع وسط الصحراء ، عجلة محترقة لم يبق منها سوى هيكل حديد ، طفل صغير لف بقماش ابيض مرميا وسط الرماد رجل من اهل الانبار يقود شاحنته ، يشاء القدر ان يقرر الرجل قضاء حاجته في هذا المكان ، والعثور على الطفل ، ثم ان الوصول إلى اهله والعثور عليهم بهذه السرعة ، يدل ان الطفل ولد فراش شرعي وأنهم اهله قاموا بابلاغ السلطات ، مما مكن الشرطة من معرفتهم واعادة الطفل لهم عند العثور عليه ، كيف وصل الطفل إلى هذا المكان ؟، من وضعه هناك ؟ منذ متى وهو مرميا هناك ، هذه اسئلة واسئلة اخرى بحاجة إلى اجابة ، ولكن بعيدا عن البحث عن تلك الإجابات ، فان هذه الحادثة هي دعوى للتفكر والتدبر، انها رسالة لنا للرجوع لله وإيكال الأمور اليه والرضا بقدره وقضائه ، انها رسالة لمن شغلته الدنيا وطول الامل عن الآخرة وحسن العمل ، للعودة لله والتسليم له فانه لو اجتمعت الإنس والجن على ان ينقذوا هذا الطفل لما تمكنوا لكن الله وحده اذا أراد شيأً قال له كن فيكون ، القدر الذي ساق هذا الرجل في هذه الساعة وفي هذا اليوم وفي هذا الطريق وفي هذا المكان لينقذ هذا الطفل فيعود إلى دفء احضان امه و يرتوي من حنان صدرها ويقر عين أبيه برؤيته و سماع ضحكاته ، انه القدر الذي قدره الله و ما شاء فعل .

بين حادثة الصحراء وقصص الأنبياء… حكمة تتكرر

ان ما حصل اليوم مع هذا الطفل يلزمني بالعودة إلى القران الكريم فقصة نبي الله موسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وما حصل له مع الامام الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار فأستذكر حكمة الله وعظيم قدرته وحسن تدبيره ثم انظر لما يحصل في عالمنا فاستغفر ابتعادنا عن الله واتباعنا الهوى وانشغالنا بطول الامل ، فتكدرت لذلك خواطرنا ،وضاقت صدورنا ، و أضعنا بوصلة النجاة في زحمة مشاكل الحياة بحثا عن متاع الدنيا وزينتها غير مكترثين بطريق الآخرة وشدتها ، ولعل من يقف عند حادثة هذا الطفل ، يدرك قدره و حقارة ما يقدره امام عظمة قدرة الله وعجائب وقدره ، فيتخذ منها منطلقا للإياب له .

طفل الرماد… يوقظ الذاكرة نحو موسى ويوسف

إن حادثة هذا الطفل لا تذكرني بقصة نبي الله موسى مع الخضر فحسب، بل توقظ في النفس ذكرى أعمق، ذكرى رمي النبي موسى في أليم وهو طفل حديث الولادة ، حيث وضعته امه في صندوق، ورمت به في أليم ، فألقت به الأمواج إلى شاطئ الأمان، إلى حضن القصر، ليكون نجاة لأمه ولقومه، ليقودهم من ظلمة العبودية إلى نور التحرير.

كما يذكرني بذلك الطفل الذي رموه اخوته في الجب فشاء الله ان يرسل له من ينقذه من ذلك الجب ليكون بعد ذلك عزيزا ذا جاه وسلطان و ها هو ذا الطفل يُرمى به في قفار الأرض، على حافة طريق سريع، بين رماد إطار محروق، كأنما أراد من وضعه هناك أن يمحو أي أثر لوجوده، أن يجعله طعماً للشمس الحارقة أو لوحوش الليل. لكن يد القدر، التي لا نراها بابصارنا كانت تنسج له خيوط النجاة من حيث لا يدري البشر.

موعد كتبه القدر… وليس صدفة

لقد جاء الرجل الأنباري من طريق بعيد، وزمان غير زمان الطفل، وحاجة غير حاجة الإنقاذ، لكن الخيط الإلهي الحكيم أوصله بالضبط إلى تلك النقطة من الزمان والمكان. لم يكن مجرد صدفة، بل كان “موعداً” مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل أن تُخلق الصحراء، وقبل أن تسلك تلك الطريق سيارة. فالتوقيت، والموقع، وحتى الرغبة المفاجئة في قضاء الحاجة، كلها كانت حروفاً في جملة كتبها القدر خلاصتها : “هذا الطفل لن يهلك”.

أسباب لا نراها… ونجاة لا نتوقعها

وفي هذا المعنى تتجلى لنا الحكمة البالغة: أن الإنسان قد ييأس من أسباب النجاة، وقد يحسب أن الأبواب قد أغلقت، وأن الأقدار قد تكالبت عليه هلاكاً. لكن الله تعالى يملك من الأسباب ما لا يعلمه البشر، ويقدر من الوسائل ما لا يخطر على بال. قد يكون مخلّصك شخصاً لا تعرفه، قادماً من مدينة لا علاقة لك بها، في لحظة لا تتوقعها، مدفوعاً بحاجة شخصية صغيرة، ليكون سبباً في إنقاذ حياتك الكبيرة.

وهنا يلتقي مصير الأطفال : طفل التابوت في اليم، وطفل الجب ، وطفل الرماد في الصحراء. جميعهم وُضع في موضع هلاك، و جميعهم ساقه القدر إلى بر الأمان. لكن الفارق أن موسى ويوسف كانا بداية لقصة كبيرة، لرسالة عظيمة، بينما هذا الطفل كان هو نفسه الرسالة. رسالة مرئية لكل من شغلته الدنيا وطول الأمل.

دعوة للثقة بالله حين تنقطع السبل

إننا في زحمة الحياة ننسى أننا بين يدي قادر قدير، حكيم عليم. نتوهم أن أمورنا بأيدينا، فإذا بنا نعجز عن إنقاذ أنفسنا من هم بسيط، أو نخرج من مأزق تافه

فلا يأس مع الله، ولا قنوط مع قدرته. قد تكون في أشد لحظات عزلتك ووحدتك، وفي أحلك الظروف، غير عالم أن القدر قد هيأ لك من يرعى أمرك، ومن يمسك بخيط نجاتك. قد يكون ذلك الشخص الذي سيمر من هناك، في تلك اللحظة، بدافع حاجة صغيرة، ليصبح ملائكة الرحمة لك في شكل بشر.

خاتمة: من طفل الصحراء… تشرق العبرة الكبرى

فلنثق بالله حين تفنى الحيل، وتنقطع الأسباب والسبل . و لنعلم أن تدبيره أحكم من تدبيرنا، ورحمته أوسع من تصوراتنا. وليكن هذا الطفل الملفوف بخرقة بيضاء على هيكل السيارة المحترق، منارة نستهدي بها عندما تحيط بنا الظلمات، تذكرنا أن النجاة قد تأتي من أقرب مكان نتوقعه، وأن يد الله لا تغيب عنها هفوة، ولا يضيع عندها حق.

إنها دعوة للتوكل الحقيقي، ليس بالاستسلام والخمول، بل بالعمل مع يقين القلب أن النتيجة بيد الله، وأنه إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه من حيث لا نحتسب. فحري بنا، ونحن نتابع أحداث حياتنا اليومية، أن ننظر إلى تدابير الله في خلقه، فلعل في أصغر الأمور أعظم العبر، وفي أتفه الصدف أبلغ الحكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *