ملحمة الصمود تكتب هزيمة الجبابرة

ملحمة الصمود تكتب هزيمة الجبابرة
إيران تصمد أمام الحرب الأمريكية–الإسرائيلية، محققة انتصاراً سياسياً وعسكرياً ومعنوياً، بتوحيد الشعب والقدرات الإقليمية، واستنزاف العدو اقتصادياً واستراتيجياً، رافضة الهيمنة، ومثبتة أن الإرادة الوطنية والثبات هما مفتاح السيادة والنصر في مواجهة الطغيان.....

في زحام التصريحات المربكة والخطابات المتعثرة، تتجلى ملامح مشهد درامي قلّ نظيره في تاريخ الصراعات. هناك، في عقر دار القرار الأمريكي، بدا واضحاً مقدار الارتباك الذي يعصف بإدارة تعلن النصر قبل أن تنتهي المعركة، وتتراجع عن تصريحاتها في غضون ساعات . إنها ليست مجرد أخطاء في التوقيت أو سوء تقدير للجدول الزمني، بل هي اعترافات ضمنية بعجز مزدوج: عجز عن تحقيق الأهداف المعلنة، وعجز عن فرض الإرادة على أرض ترفض الانكسار.

لقد خاضت أمريكا وإسرائيل هذه الحرب بأهدافٍ معلنة كالنار على علم: إسقاط النظام الإيراني، القضاء على البرنامج النووي والصاروخي، وتركيع إرادة شعبٍ أثبت عبر التاريخ أنه لا يقبل الهيمنة. لكن ما حدث على الأرض كان أشبه بملحمة من الصمود الأخّاذ. إيران التي راهنوا على انهيارها الداخلي، التفّت حول قيادتها، فتحولت المعارضة في الشارع إلى جبهة واحدة موحدة خلف سيادة الوطن، وأصبحت الدماء الإيرانية الزكية التي تراق دفاعاً عن الأرض، تمحو أي خلاف سياسي داخلي وتصنع من الشعب جسداً واحداً لا يخترق .

لقد حاولوا وأد المقاومة في مهدها، فإذا بها تخرج من الهجوم أقوى وأكثر إصراراً. إيران التي أرادوا توجيه ضربة قاضية لها، خرجت منتصرة عسكرياً وسياسياً ومعنوياً، ليس فقط لأنها صدّت الهجمات، بل لأنها قلبت الطاولة على الطرف المهاجم. هذا هو جوهر النصر الحقيقي: أن تتحول من موقع الدفاع إلى موقع فرض المعادلات، ومن حالة الرد إلى حالة الفعل . إيران اليوم هي التي تضع شروطها بكل ثقة، وهي التي ترفض الرضوخ لضغوط وقف إطلاق النار الذي بات يائساً يطلقه من عجز عن المواصلة .

إنها انتصار الإرادة الصلبة على آلة الحرب الطائشة. انتصار من أيقن أن الكرامة لا تُشترى بالتنازلات، وأن السيادة أغلى من أي رفاهية مؤقتة تحت وطأة الذل . في مقابل هذا الصمود الإيراني الأسطوري، يقف الجيش الأمريكي الذي لم يعتد على حروب الاستنزاف، والإسرائيلي الذي يدرك أن الوقت ليس في صالحه. تحولت المعركة إلى مأزق استراتيجي واضح: إفراغ مخازن الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن مقابل صواريخ إيرانية اقتصادية، ضغط على الناخب الأمريكي الذي يشعر بغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود أكثر من شعوره بأي نصر وهمي في منطقة لا يعرف حتى موقعها على الخريطة . هذا هو سلاح إيران الحقيقي: صبر استراتيجي طويل، وقدرة على استنزاف العدو اقتصادياً وسياسياً، وفهم عميق لنقاط ضعف الخصم .

حتى على المستوى السياسي، يبدو المشهد كابوساً لواشنطن وتل أبيب. يتحول أعضاء الكونغرس إلى جلاّدين سياسيين يحاكمون إدارة فشلت في تحقيق أي من أهدافها . ويرى المحللون أن تهديدات تغيير النظام الإيراني تبقى مجرد أضغاث أحلام، مستحيلة التحقق في بلد يمتلك قاعدة دعم شعبية حقيقية، وعقيدة دينية متجذرة، وأجهزة أمن أكثر شراسة من أن تسمح بسيناريو الفوضى الخلاقة الذي حدث في دول أخرى .

إن النصر المعنوي لإيران يتجسد في تلك الصورة البديعة: شعب يلتف حول قيادته، وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن تشكل جداراً بشعاً من الرفض لأي مشروع استعماري جديد. إنه انتصار لمبدأ “المقاومة هو جوهر الكرامة، ومن يقاوم لا يعرف الهزيمة” . انتصار يثبت أن إسرائيل، رغم ضرباتها المتكررة، لم تحقق أهدافها في التهجير أو التغيير الديموغرافي، وأن مشروع إعادة رسم خريطة المنطقة اصطدم بصخرة إيران التي لم تعد تقبل بأن يقرر أحد مصيرها من بعيد .

لقد سقط القناع عن وجه المشروع الأمريكي – الإسرائيلي. فبعد أسابيع من الحرب، ها هي إيران تعلن بفخر: “لم يعد بإمكان أمريكا وإسرائيل شن حرب علينا متى شاءتا وإنهاءها متى شاءتا” . هذه العبارة وحدها تلخص كل شيء. إنها تعني أن معادلة الردع قد انقلبت رأساً على عقب. تعني أن إيران، وليس واشنطن، هي التي تملك اليوم زمام المبادرة والقدرة على فرض الإرادة. تعني أن حلم السيطرة على الشرق الأوسط قد تبخر في زحام صواريخ المقاومة وثبات شعب أبيّ.

إن النصر لا يُصنع فقط في ساحات الوغى، بل يُصنع في قلوب الشعوب وعقولها. إيران انتصرت لأنها أيقنت مبكراً أن الاستسلام ليس خياراً، وأن التفاوض من موقع الضعف لا يجلب إلا المزيد من الغدر. انتصرت لأنها راهنت على شعبها ومقاومتها، بينما راهن العدو على آلة الحرب التي توقفت عن العمل قبل أن تبلغ هدفها. هذا هو درس إيران للأمة جمعاء: أن السيادة لا تُمنح، بل تُنتزع إرادةً وصموداً وكرامة.

طهران، في زحفها نحو المستقبل، تثبت أن الجبابرة قد ينهارون أمام عزيمة الأحرار، وأن المعجزات تصنعها الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها، مهما تكالبت عليها قوى الطغيان والهيمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *