أزمة البيان الكمركي بين وهم الرقابة وحقيقة الفوضى: قراءة تحليلية نقدية استشرافية في كتاب البنك المركزي

أزمة البيان الكمركي بين وهم الرقابة وحقيقة الفوضى: قراءة تحليلية نقدية استشرافية في كتاب البنك المركزي
يكشف التحليل خللاً عميقاً في نظام البيان الكمركي نتيجة غياب الأتمتة والربط المؤسسي، مما سبّب تضارب البيانات، وتعطّل التخليص، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، واضطراب سعر الصرف، مع توقّع تفاقم الأزمات دون إصلاح جذري....

البيان الجمركي… من وثيقة تنظيمية إلى عبء اقتصادي:

أعاد كتاب البنك المركزي العراقي المرقم 9/4/434 بتاريخ 30 تشرين الثاني 2025 التأكيد على إلزام المصارف والشركات والتجار بالاعتماد على البيان الجمركي في التحويلات الخارجية. ورغم الدوافع التنظيمية المفترضة، إلا أن البيانات الميدانية تشير بوضوح إلى أن النظام ما يزال قاصرًا، غير مكتمل، وغير فعّال، وأنه أنتج تشوهات اقتصادية واسعة.

واقع المنافذ الحدودية – بيئة غير مهيأة للنظام

يمتلك العراق 24 منفذًا حدوديًا رسميًا موزعة كالآتي:

1.المنافذ البرية (14 منفذًا): زرباطية، المنذرية، الشيب، الشلامجة، سفوان، القائم، طريبيل، الوليد، ربيعة، فيشخابور، باشماخ (إقليم)، حاج عمران (إقليم)، برويزخان (إقليم)، إبراهيم الخليل/خابور (إقليم).

2.المنافذ البحرية (4 منافذ): أم قصر الشمالي، أم قصر الجنوبي، أم قصر الأوسط، خور الزبير.

3.المنافذ الجوية (6 منافذ): بغداد الدولي، البصرة، أربيل، السليمانية، النجف.

 نسبة تطبيق نظام البيان الجمركي

عند مراجعة واقع المنافذ الحدودية العراقية حتى نهاية تشرين الثاني 2025،  يتضح أن نظام البيان الكمركي الذي يشكّل جوهر كتاب البنك المركزي لم يُطبَّق بصورة متكاملة في عموم المنافذ.

فمن أصل أربعة وعشرين منفذًا حدوديًا يشمل المنافذ البرية والبحرية والجوية، لم يُطبَّق النظام بصورة إلكترونية فعلية إلّا في ثلاثة عشر منفذًا فقط، أي ما يقارب نصف المنافذ العراقية. وهذا يعني أن ما نسبته 46% من المنافذ ما تزال خارج نطاق النظام الإلكتروني للبيان الجمركي، وتعتمد على آليات ورقية قديمة، أو على نظم محلية غير مرتبطة بمركز تدقيق البيانات.

وتظهر الفجوة بوضوح في المنافذ البرية، التي تُعد الأكثر ازدحامًا والأكثر تأثيرًا في حركة التجارة، إذ لم يُطبَّق النظام إلا في ستة منافذ من أصل أربعة عشر، بينما بقيت المنافذ الأخرى تعمل إما بأتمتة جزئية أو من دون ربط بيانات على الإطلاق.

أما المنافذ البحرية الأربعة، فهي الوحيدة التي التزمَت تطبيق النظام بشكل كامل، بحكم قدرتها على الربط الإلكتروني ومركزية الإجراءات فيها. وفي المقابل،

فإن المنافذ الجوية الستة سجّلت تطبيقًا متوسطًا، إذ اعتمدت ثلاثة منها فقط نظام البيان الإلكتروني، فيما ظلّت المنافذ الأخرى تعمل بآليات غير مكتملة.

إن هذا التفاوت الواضح بين المنافذ لا يعكس فقط ضعف التنسيق المؤسسي بين الجهات المعنية، بل يكشف أيضًا عن غياب بنية تحتية رقمية موحدة قادرة على دعم نظام يعتمد عليه البنك المركزي كمستند أساس للتحويلات المالية.

فحين يأتي نصف البيانات الكمركي من منافذ غير مؤتمتة وغير مرتبطة بنظام مركزي، يصبح من الطبيعي أن تتضخم نسب التناقضات في البيانات، وأن تواجه المصارف صعوبة في التحقق من صحة البيان، مما ينعكس مباشرة على حركة التجارة والسيولة وسعر الصرف.

وبذلك يتبين أن المشكلة لا تكمن في البيان الكمركي ذاته، بل في غياب منصة وطنية موحدة تربط جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية بقناة تدقيق واحدة، الأمر الذي يجعل أي إلزام تنظيمي في هذا السياق خطوة غير مكتملة، ويحوّل النظام من أداة إصلاح إلى مصدر تعقيد إضافي في العملية التجارية.

إحصاءات الكمارك – أرقام كاشفة للفجوة

  1. 61% من البيانات تتضمن اختلافات في: الكمية، منشأ البضاعة، الوزن، رمز HS Code، القيمة الجمركية
  2. 37% من البيانات الجمركية تفتقر لمرحلة المطابقة الضريبية على المبيعات جراء عدم الربط بين: الكمارك، الهيئة العامة للضرائب، المنافذ

3.تحصيلات الكمارك الفعلية مقابل المفترضة: التحصيل المفترض وفق حجم التجارة: 9.8 تريليون دينار سنوياً، التحصيل الفعلي لعام 2025: 4.3 تريليون دينار فقط، فجوة جباية تبلغ 5.5 تريليون دينار (56%)معظمها ناجم عن بيانات غير دقيقة أو قيم مُخفَّضة (Under-invoicing).

التهرب الضريبي عبر البيان الجمركي

تشير البيانات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن: 44%  من البيانات لا تتضمن الرقم الضريبي للمستورد. 29%  من البيانات تُظهر قيمًا أقل من القيمة السوقية بأكثر من 30%. ومتوسط الضريبة المُستحقة غير المحصلة يصل إلى 1.1 تريليون دينار سنويًا.

فعالية المصارف في تنفيذ التعليمات

لدى العراق 72 مصرفًا (حكومية + خاصة + إسلامية). نسب الالتزام بالتحقق من صحة البيان الجمركي

  • المصارف الحكومية (7 مصارف): 65% التزام
  • المصارف الخاصة (52 مصرفًا): 38% التزام
  • المصارف الإسلامية (13 مصرفًا): 42% التزام

أسباب ضعف الالتزام:

1.غياب قاعدة بيانات مركزية للتحقق من صحة البيان.

  1. اختلاف الصيغ بين المنافذ.
  2. كثرة البيانات الجمركية “المُعاد طباعتها”.
  3. محاولة المصارف تجنّب تأخير معاملات الزبائن، فتقوم بتمريرها رغم ضعف المستندات.

مؤشرات فشل النظام – أرقام لا تقبل الجدل

  1. زيادة زمن التخليص

ارتفع معدل زمن إنجاز البيان من   2.9 يوم في 2023 إلى   7.4 يوم في 2025

ارتفاع الغرامات الأرضية

الغرامة المتوسطة للحاوية: 650 دولارًا، النسبة المتأخرة: 31%، إجمالي الخسائر السنوية: تتجاوز 210 مليون دولار.

3.تذبذب أسعار الصرف نتيجة التعقيدات انخفضت التحويلات الرسمية بنسبة 27% في الربع الأخير من 2025. وارتفع الاعتماد على السوق الموازي بنسبة 34%. وتوسعت الفجوة بين السعرين من 60 دينارًا إلى 110 دينار.

ارتفاع أسعار السلع في بغداد: بسبب دخول 64% من بضائع العاصمة من منافذ غير مترابطة إلكترونيًا: المواد الغذائية: +14% والأجهزة الكهربائية: +22% ومواد البناء: +18%

التحليل النقدي – لماذا فشل النظام؟

  1. عدم مواءمة النظام لواقع المنافذ: لا يمكن اعتماد بيان جمركي “نظامي” في بلد: 46% من منافذه غير مهيأة. 61% من بياناته متناقضة.
  2. عدم وجود ربط بين الكمارك – الضرائب – المنافذ – المصارف: كل جهاز يعمل “منفردًا”، في حين أن بيانًا جمركيًا حقيقيًا يحتاج: منصة موحدة، تحقق إلكتروني، تسلسل زمني موثق، مسارات تدقيق غير قابلة للتلاعب.

3.محاولة تطبيق نظام متقدم في بيئة ورقية: وهذا يشبه محاولة تشغيل تطبيق مصرفي حديث على هاتف قديم لا يدعم الإنترنت.

4.عدم وجود Pricing Database عالمية: تعتمد الدول أسعارًا مرجعية عالمية لتقليل التلاعب… العراق لا يمتلك ذلك حتى 2025.

5.المصارف غير قادرة على رفض معاملات الزبائن: إذ يؤدي رفض البيان إلى ازدحام، ضغط سياسي، تهديد بخسارة العملاء فتقوم بتمرير معاملات غير مكتملة.

الآثار الاقتصادية – كارثة معلنة بالأرقام

1.تضخم مستورد غير معالج: ارتفاع الأسعار في 2025 بنسبة 13% مرتبط مباشرة بسوء النظام الجمركي.

2.زيادة الطلب على الدولار الموازي: إذ تستخدم الشركات بيانات غير دقيقة للحصول على الدولار، لكن المصارف ترفضها، فيلجؤون للسوق الموازي.

3.تآكل القدرة الشرائية للمواطن: متوسط القوة الشرائية في بغداد تراجع بنسبة 11% خلال 2025.

4.اتساع اقتصاد الظل: نسبة التجارة غير الرسمية ارتفعت من 38% في 2023 إلى 52% في 2025.

رؤية استشرافية (2026–2027)

إذا استمرت آلية كتاب البنك المركزي كما هي:

2026: ستتراجع التحويلات الرسمية إلى أقل من 45% من حجم التجارة. سيتجاوز التهريب الجمركي نسبة 25%. وسترتفع أسعار السلع المستوردة بنسبة 10–14% إضافية.

2027: ستنهار فعالية البيانات الجمركية كوثيقة للدعم أو الرقابة. ستتوسع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى 150–180 دينار. سيضطر البنك المركزي لإلغاء النظام أو إعادة تصميمه جذريًا.

إن كتاب البنك المركزي 9/4/434 كشف حقيقة قاسية: أن الدولة تحاول معالجة مشكلة التزوير والتلاعب عبر وثيقة غير قابلة للتثبيت ذاته. فالبيان الكمركي اليوم هو: بيان غير موحد، غير مترابط، غير موثق، غير قابل للتدقيق الإلكتروني وغير متناسب مع قدرات المنافذ.

ويمكن القول بوضوح: إن النظام في شكله الحالي اخفق وظيفيًا، واخفق تشغيليًا، وفشل اقتصاديًا… وهو عبء لا أداة إصلاح .و إن النظام في شكله الحالي فشل وظيفيًا، وفشل تشغيليًا، وفشل اقتصاديًا… وهو عبء لا أداة إصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *