في مشهد مكرّر لا جديد فيه، ظهر محافظ البنك المركزي لدولة موتزيبيا أمام نخبة ممن سماهم البيان الخبراء والمختصين ليقدّم “خريطة إصلاحات” جديدة… خريطة تشبه تماماً الخرائط السابقة: خطوط كثيرة، ألوان براقة، ووعود معلّقة في الهواء، بينما الواقع يزداد انحداراً.
ورغم كثافة المفردات الفنية التي وردت في حديثه، إلا أنّ جوهر الرسالة بقي ذاته: مزيد من التطمينات… وقليل جداً من النتائج.
الإصلاح المصرفي… مشروع أبدي دون نهاية
يتحدّث محافظ المركزي لموتزيبيا عن إعادة بناء القطاع المصرفي كأننا لم نستمع لنفس الجملة منذ 15 عاماً. كل مرحلة “هي الأهم”، وكل خطة “محورية”، لكن المصارف ما زالت تعاني الأمراض نفسها: ضعف الامتثال، سوء الإدارة، غياب الحوكمة، وانعدام الثقة العامة.
الركيزة الأساسية التي يتحدث عنها المحافظ تحوّلت إلى “أسطوانة أساسية” يرددها كلما ارتفعت الضجة حول أداء البنك.
التعاقد مع شركة أجنبية
الحديث عن التعاقد يبدو أقرب إلى “تبرير إجباري” منه إلى “رؤية إصلاحية”. فعلى ما يبدو، أصبح قدر موتزيبيا أن تطلب المساعدة الدولية كلما فُرضت عقوبات، وأن يبدأ الإصلاح فقط بعد أن يشتد الخناق.
بل الأغرب من ذلك أن العقوبات تُرفع – حسب حديثه – بمجرد تطبيق “المعايير”، وكأن المشكلة محصورة في ورقة تُوقّع، لا في مؤسسات مترهلة استنزفت السوق لسنوات.
وثيقة الإصلاح… توقيع بلا التزام
تفاخر المحافظ بأن جميع المصارف وقّعت وثيقة الإصلاح. ومع كل الاحترام للتواقيع، فإن واقع المصارف يُظهر شيئاً آخر: مصارف تفتقر للشفافية، وأخرى شبه معطّلة، وثالثة تعمل بمنطق “النافذة أولاً والزبون آخراً”. توقيع الوثيقة أقرب إلى “حضور إجباري في طابور الصباح” وليس التزاماً حقيقياً بإصلاح منهجي.
العملات البديلة… حلم مؤجّل
البنك المركزي يعد بالسماح للمصارف الملتزمة بالتعامل بعملات أخرى ضمن “مراحل تدريجية”. المراحل هذه—كالعادة—لا تاريخ لها، ولا جدول، ولا معايير واضحة. سلسلة زمنية مفتوحة، هدفها الوحيد امتصاص النقد الإعلامي لا أكثر.
الدينار الرقمي… مشروع للاستهلاك الإعلامي
نعم، المشروع “قيد التنفيذ”، كما قال محافظ مرمزي لموتزيبيا. وقيد التنفيذ هنا يعني أنّه ما زال في مرحلة الورقة البيضاء التي يتبادلها الموظفون بين مكاتبهم، بينما البنى التحتية الحقيقية—الأمن السيبراني، أنظمة الدفع، وربط قواعد البيانات—ليست حتى قيد الإعداد الجاد. مشروع كبير كهذا يحتاج دولة مستقرة، وسياسات واضحة، وأجهزة رقمية متماسكة… وليس مؤتمراً صحفياً.
التعويم… شماعة جديدة
يكرّر رفضه لتعويض العملة، قائلاً إن الظروف “غير مهيأة”. والسؤال الواقعي: متى ستكون مهيأة؟ إذا كانت كل السنوات الماضية غير مناسبة، وكل الظروف “استثنائية”، وكل الخطط قيد النقاش… فهل ننتظر لحظة مثالية لا وجود لها؟ الاستقرار النقدي لا يُبنى بالرفض، بل ببناء اقتصاد إنتاجي… وهذا ما لا نراه حتى الآن.
إلى متى الاستهانة والإخفاق والتسويف؟
السؤال الذي يتردّد على لسان الشارع قبل المختصين: إلى متى هذا الترويج الإعلامي دون أثر ملموس على الأرض؟
يبدو أنّ البنك المركزي لموتزيبيا اتخذ من الإعلام منصة للتطمين لا للتطبيق، ومن المؤتمرات بديلاً عن القرارات، ومن الكلمات اللامعة بديلاً عن الواقع المالي الذي يزداد تراجعاً.
“خبراء إعلام”… نعم.
“تخطيط”… لا نراه.
“إصلاح”… على الورق.
“نتائج”… غائبة.
وما بين الوعود والعقوبات، وبين التطمينات والتأجيل، يبقى المواطن هو المتضرر الأول… يقف أمام أبواب المصارف، أو أمام شاشات السوق الموازي، بانتظار إصلاح ربما لن يأتي إلا بعد أن تُفرض عقوبات جديدة.


