من التشكيل إلى التفعيل لماذا أخفقت المجالس السابقة في مكافحة الفساد؟ وهل يمثل النهج الجديد فرصة مختلفة؟
منذ عام 2007 وحتى اليوم شهد العراق سلسلة من المجالس والهيئات واللجان التي أُنشئت تحت عناوين مختلفة لمكافحة الفساد بدءاً من المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد مروراً بالمجلس الأعلى للفساد واللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى وصولاً إلى الهيئة العليا لمكافحة الفساد وانتهاءً بالإعلان عن تأسيس المجلس السياسي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام.
هذا التسلسل الزمني يكشف حقيقة مهمة مفادها أن المشكلة في العراق لم تكن يوماً في غياب التشكيلات أو المؤسسات بل في ضعف التفعيل واستدامة العمل وتحويل القرارات إلى نتائج قابلة للقياس.
فعلى مدى ما يقارب عقدين أُنشئت العديد من الأطر المؤسسية لمواجهة الفساد إلا أن مؤشرات الفساد واستنزاف المال العام لم تشهد التحسن المأمول بالقدر الذي يتناسب مع حجم تلك التشكيلات.
ويعود ذلك إلى مجموعة من الأسباب العملية أبرزها تداخل الصلاحيات بين الجهات الرقابية وضعف التنسيق المؤسسي، وغياب قواعد البيانات المتكاملة، فضلاً عن محدودية المتابعة التنفيذية لقرارات تلك المجالس بعد صدورها.
إن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح أي مجلس أو هيئة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنه وإنما يقاس بمؤشرات محددة منها حجم الأموال المستردة وعدد القضايا المحسومة قضائياً وتقليل فرص الفساد في العقود الحكومية وتحسين مستويات الشفافية والإفصاح المالي ورفع ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
وعندما تغيب هذه المؤشرات تصبح المجالس مجرد هياكل تنظيمية إضافية تضاف إلى البيروقراطية الحكومية دون أثر ملموس.
ومن الناحية الإدارية فإن تعدد الجهات المعنية بمكافحة الفساد قد يؤدي أحياناً إلى تشتيت المسؤولية بدلاً من تركيزها بحيث يصبح من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن الإخفاق أو النجاح.
لذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تأسيس مجلس جديد بل في ضمان امتلاكه أدوات تنفيذية حقيقية وربطه ببرنامج زمني واضح وأهداف قابلة للقياس والمساءلة.
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي الإشارة إلى أن الحكومة الجديدة برئاسة الاخ علي فالح الزيدي تبدو وكأنها تنتهج مساراً مختلفاً يقوم على ربط ملفات النزاهة بالرقابة واسترداد المال العام وهو توجه يعكس فهماً أكثر شمولاً لمشكلة الفساد إذ لا يقتصر على كشف المخالفات فحسب بل يمتد إلى معالجة آثارها المالية واستعادة الأموال المهدورة.
كما أن التركيز على مراجعة العقود السابقة وتفعيل الأدوات الرقابية وإعادة تقييم ملفات الهدر المالي يمثل مؤشرات أولية على وجود إرادة لإحداث أثر عملي يتجاوز الإطار الشكلي للتشكيلات السابقة.
ويبقى نجاح هذا التوجه مرهوناً بقدرته على الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة الإنجاز ومن مرحلة التأسيس إلى مرحلة التفعيل.
فالعراقيون لا يحتاجون إلى مجلس جديد بقدر حاجتهم إلى نتائج جديدة ولا ينتظرون عناوين مختلفة لمؤسسات مكافحة الفساد بقدر انتظارهم استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين وإغلاق منافذ الهدر التي استنزفت موارد الدولة لعقود طويلة.
إن الرهان اليوم ليس على اسم المجلس أو هيكله التنظيمي بل على قدرته في صناعة أثر ملموس يشعر به المواطن والخزينة العامة معاً.
فإذا نجح المجلس الجديد في تحويل الرقابة إلى إجراءات والإجراءات إلى أحكام والأحكام إلى أموال مستردة فسيكون قد فتح صفحة مختلفة في تاريخ مكافحة الفساد في العراق.
أما إذا اقتصر دوره على الاجتماعات والتوصيات فسيضاف إلى قائمة طويلة من التشكيلات التي وُلدت بأهداف كبيرة وانتهت بنتائج محدودة.


