المشكلة ليست في الديون بل في العقل الذي يقرأها!

المشكلة ليست في الديون بل في العقل الذي يقرأها!
يكشف التحليل هشاشة الاقتصاد العراقي رغم انخفاض الديون الخارجية، موضحاً اعتماد الموازنة على النفط، وتمويل العجز بالاستهلاك، وضعف السياسة النقدية، وتعدد أسعار الصرف، وتصاعد العجز، مؤكداً أن الخلل بنيوي لا رقمياً وأن الدين نتيجةً لا سبباً في جوهره المالي الهش....

هل الديون مطمئنة فعلاً؟

قراءة تحليلية ناقدة بالأرقام تكشف إخفاق السياسة النقدية وخلل المالية العامة

في الوقت الذي تُقدَّم فيه أرقام الدين العام بوصفها “مطمئنة” ولا تشكل خطراً مباشراً، يعيش الاقتصاد العراقي حالة من الارتباك العميق: تذبذب في سعر الصرف، تباطؤ في النشاط التجاري، تدهور في القوة الشرائية، وتفاقم العجز التشغيلي. وبينما يتفاخر بعض المتحدثين بأن الدين الخارجي “فقط 13 مليار دولار”، يغيب عمداً السياق المالي الحقيقي الذي يجعل هذا الرقم غير ذي معنى في ظل نظام اقتصادي هش وغير منتج.

الدين العام… أرقام صحيحة لكن قراءة خاطئة:

  1. الدين الداخلي: 91 تريليون دينار

وفق الأرقام الرسمية، يبلغ الدين الداخلي نحو 91 تريليون دينار (ما يقارب 69–72 مليار دولار بسعر صرف 1320–1400).

لكن الأهم من الرقم هو مصدره وطبيعة استخدامه:

  • 82–85% من هذا الدين موجود لدى مصارف حكومية (الرافدين، الرشيد، TBI)، أي أن الحكومة تقترض من نفسها.
  • 65% من الدين الداخلي يُستخدم لتمويل العجز التشغيلي وليس الاستثمار.

وهنا تكمن الكارثة الاقتصادية:

العجز التشغيلي يعني رواتب + دعم + نفقات جارية، وهي مصاريف لا تخلق إنتاجاً ولا قيمة مضافة.

أي أن الدولة تستدين لتمويل الاستهلاك… لا التنمية.

وهذا ليس ديناً “آمناً”، بل علامة خلل مالي عميق.

  1. الدين الخارجي: 13 مليار دولار فقط؟

هذا الرقم صحيح حسابياً، لكنه مضلل اقتصادياً للأسباب التالية:

  • العراق يعتمد على 91–92% من إيراداته العامة على النفط فقط.
  • أي صدمة نفطية (هبوط بـ10–15 دولاراً في السعر العالمي) تعني عجزاً يزيد بين 6–8 مليارات دولار سنوياً.
  • الاحتياطي الأجنبي للعراق (أكثر من 100 مليار دولار) ليس موجهاً لسداد الدين، بل لضبط سعر الصرف.

إذن، قيمة الدين الخارجي ليست المشكلة…

بل غياب تنويع الاقتصاد هو الخطر الحقيقي.

السياسة النقدية… “طمأنة إعلامية” تخفي إخفاقاً عملياً

  1. نافذة بيع العملة:

يقوم البنك المركزي ببيع ما بين 180–210 ملايين دولار يومياً، أي ما يقارب:

  • 5.4 – 6.3 مليارات دولار شهرياً
  • 65 – 75 مليار دولار سنوياً

هذا ليس نشاطاً نقدياً طبيعياً، بل نزيف عملة صعبة لتعويض ضعف الجهاز المصرفي وعدم قدرة السوق على توفير الدولار عبر النشاط التجاري الحقيقي.

  1. سعر الصرف

رغم تثبيت السعر الرسمي عند 1320 ديناراً:

  • ظل السعر الموازي في فترات عديدة بين 1480 – 1550 ديناراً.
  • الفرق هو (160 – 230 ديناراً) لكل دولار، ما يعني أن أرباح “الوساطة” تجاوزت في بعض الأشهر 700–900 مليون دولار شهرياً.

هذا ليس سوقاً مستقرة… بل اقتصاد متعدد أسعار الصرف، وهي إحدى أبرز علامات ضعف السياسة النقدية.

المالية العامة… تضخّم بلا إنتاج

  1. النفقات التشغيلية (2024–2025)

تتراوح بين 95 – 105 تريليونات دينار سنوياً (نحو 75–80 مليار دولار).

أي أن:

  • كل 100 دينار تنفقه الدولة… 88 يأتي من النفط
  • وكل دينار تستدينه الدولة… يذهب لتغطية الرواتب والدعم لا للاستثمار
  1. العجز السنوي المتوقع في 2025

مع استمرار المنهج المالي ذاته، سيبلغ العجز بين:

  • 20 – 27 تريليون دينار (15–20 مليار دولار)

وهذا يعني أن الدين الداخلي سيستمر بالارتفاع، وسيتم “تدوير الديون” بين المصارف الحكومية وكأنها عملية ناجحة، بينما هي في الحقيقة إعادة توزيع للعجز وليست معالجة له.

أين الخطأ في الخطاب الرسمي؟

يتم تقديم عبارة: »الديون لا تشكل خطراً مباشراً« وكأنها خلاصة اقتصادية، بينما هي تجاهل لخمسة حقائق خطيرة:

  1. الاقتصاد العراقي غير متنوع (92% نفط).
  2. سعر الصرف غير مستقر، وهذا يرفع خدمة الدين ويضعف الموازنة.
  3. المديونية تُستخدم للاستهلاك لا للاستثمار.
  4. المالية العامة تعتمد على الاقتراض من المصارف الحكومية التي تعاني أساساً من خسائر.
  5. العجز الهيكلي سيزداد مع أي انخفاض في النفط.

إذن الخطر ليس في الدين…

بل في البنية المالية التي تجعل كل دين عبئاً لا فرصة.

الديون ليست مطمئنة… بل المسؤولون هم المطمئنون لأنفسهم!

حين يُباع يومياً أكثر من 200 مليون دولار لسد فجوات السوق،

وحين تُستخدم 91 تريليون دينار لتغطية رواتب ونفقات لا تعود بعائد،

وحين تعتمد الدولة على سلعة واحدة لتسديد التزاماتها،

فإن الحديث عن أن الديون «لا تشكل خطراً» هو تبسيط مخادع لا يصمد أمام أي تحليل مالي جاد.

الخطورة ليست في الرقم،

بل في السياسة النقدية العاجزة، والمالية المختلة، وتكرار خطاب الطمأنة الذي يغطي الإخفاق بدل إصلاحه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *