شهدت الأيام الماضية تصاعداً لافتاً في حدة الخطاب الأمريكي تجاه تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، وكانت تصريحات المبعوث الأميركي مارك سافايا هي الأكثر وضوحاً في رسم ملامح الرؤية الأميركية للعراق في المرحلة الجديدة. سافايا تحدث بصراحة عن أن المجتمع الدولي ينظر إلى العراق باعتباره دولة قادرة على لعب دور أكبر، اكنه استدرك بشرط إنهاء ملف السلاح خارج سلطة الدولة وتعزيز هيبة المؤسسات، مؤكداً أن أي اقتصاد لا يمكن أن ينمو في ظل سلطات موازية واختلاط السياسة بالنفوذ غير الرسمي.
لكن تصريحات سافايا لم تكن منفصلة عن سياق أوسع، إذ تتزامن مع ضغوط أمريكية متصاعدة لفرض معادلة “حكومة منزوعة فصائل المقاومة العراقية ”، وفق ما كشفته مصادر سياسية وإعلامية عديدة.
ضغوط أميركية لإعادة المشهد السياسي العراقي ضمن معادلات « الشرق الأوسط الجديد » و تقييدحضور الفصائل في السلطة التنفيذية
فواشنطن، بحسب تقارير مختلفة، أبلغت القوى السياسية الرئيسة رفضها تولي أي شخصية مرتبطة بفصائل المقاومة مناصب عليا، في إطار ما تعتبره شرطاً للاعتراف بشرعية المسار السياسي الجديد.
وهذا الموقف جاء مدعوماً بحراك دبلوماسي مكثف، ورسائل مباشرة حملها وفد أميركي رفيع زار بغداد مؤخراً بعيداً عن الإعلام. تصريحات سافايا، مقارنة بما قيل في الكواليس، تكشف أن واشنطن تريد من العراق إعادة ترتيب البيئة السياسية واخذ الشروط الامريكية والغربية والاقليمية بما ينسجم مع مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تعمل عليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي يقوم على تقليص النفوذ الإيراني وتجفيف مصادر قوته داخل العواصم الإقليمية، وعلى رأسها بغداد. لذلك جاء تأكيد سافايا على “فصل السلطات” و“سيادة القانون” ليس فقط كدعوة إصلاحية، بل كشرط سياسي موجَّه للقوى الفائزة.
مفترق طرق سياسي حاد : ضغط ىولي متصاعد يدفع العراق لإعادة ضبط معادلة السلطة بين متطلبات الشرعية الداخلية و اشتراطات التوازنات الأميركية
من الناحية الواقعية، تبدو القوى السياسية العراقية أمام اختبار صعب: فهي تمتلك شرعية انتخابية، لكنها تواجه ضغطاً دولياً غير مسبوق يدفع نحو إبعاد الفصائل عن السلطة التنفيذية. ومع ذلك، بدأت بعض القوى تبدي قدراً من المرونة تفادياً لاحتمالات العزلة الدولية أو العقوبات المالية، خاصة بعد تلميحات أميركية بأن العراق قد يُعامل كجزء من الملف الإيراني إذا تجاهل هذه الاشتراطات.
في المحصلة، يضع سافايا العراق أمام مفترق طرق: إما السير نحو دولة مؤسسات تملك احتكار السلاح وتعيد بناء الثقة الدولية وخاصة الامريكية ، أو البقاء في دائرة التعقيد التي قد تقود إلى مزيد من الضغوط وربما سيناريوهات أمنية واقتصادية صعبة خاصة فرض عقوبات اقتصادية او استهداف عسكري .
وبين هذين الطريقين، يبقى مستقبل الحكومة المقبلة مرهوناً بقدرة القوى السياسية على التوصل إلى معادلة تحفظ التوازن الداخلي دون خسارة العمق الدولي الذي يحتاجه العراق في هذه المرحلة الحساسة.


