شيعة وموارنة لبنان في قراءة أنثروبولوجية
لا يمكن فهم شيعة وموارنة لبنان من خلال تصريح عابر لسفير أجنبي، ولا من خلال موجة إعلامية عابرة. فالمجتمع اللبناني تشكل عبر تاريخ طويل من الهجرات، والتداخلات، والصراعات، والتحالفات، والذاكرة الدينية والاجتماعية.
في شهر أيار الماضي، أدلى السفير الأميركي في بيروت، ميشيل عيسى، وهو كما يشير اسمه من أصول لبنانية مهاجرة، بتصريح استفزازي خلال زيارته التضامنية للبطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي.
وقد لمّح في ذلك التصريح إلى تهجير الشيعة اللبنانيين من بلادهم، حين قال: «إن كان لبنان لا يناسبهم، فليبحثوا عن بلد آخر يعيشون فيه».
أثار هذا التصريح ضجة واسعة في حينه. ورد عليه أحد نواب حزب الله، علي عمار، مندداً بـ«التدخل السافر للسفير الأميركي في بيروت في الشؤون اللبنانية، ودعوته إلى تهجير اللبنانيين من بلدهم».
ومن هنا، نحاول تفكيك هذه الحادثة بموجب آليات البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، أو Anthropologie sociale، لفهم ما وراء التصريح، وما يكشفه من جهل بتاريخ المجتمع اللبناني ومكوناته.
بداية الفتنة وسياق التصعيد
بدأت هذه الحادثة الفتنوية حين بثت قناة تلفزيونية لبنانية محلية، ذات توجهات انعزالية معادية للمقاومة اللبنانية، وهي قناة LBCI، مقطع فيديو مفبركاً بالذكاء الاصطناعي.
ويتولى الشيخ بيار الظاهر منصب رئيس مجلس إدارتها والمدير التنفيذي لها.
سخر الفيديو من الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، ومن مقاتلي المقاومة التي يقودها. وقد مثّل المقاومين بشخصيات كاريكاتورية مستوحاة من لعبة الفيديو الشهيرة «الطيور الغاضبة».
أثار هذا المقطع جدلاً ذا طابع طائفي وسياسي. ورأى فيه الحزب «إساءات رخيصة».
غير أن بعض المحسوبين على الحزب والمقاومة انساقوا مع رد الفعل المتشنج على هذا الفعل المشبوه. فانتقدوا زعماء دينيين آخرين، ومنهم البطريرك الماروني.
وهنا اشتعل الجو. كما تناسى الجميع الإساءة الأولى، وركزوا على رد الفعل. ثم صدرت البيانات تباعاً، وزار السفير الأميركي البطريرك الماروني متضامناً معه.
وفي أثناء هذه الزيارة، لمّح السفير إلى تهجير المكون الشيعي. لذلك، أثار تصريحه ردود فعل غاضبة من شتى التوجهات والانتماءات.
الإبادة والتهجير نتاج الفاشية الصهيوأميركية
يتجلى تفاقم الفاشية الصهيوأميركية بوضوح في بلوغها درجة الإبادة الجماعية للشعوب، وهي تبث بالمباشر كما هي الحال في غزة الفلسطينية وجنوب لبنان.
كما يتجلى ذلك في المضي قدماً نحو تهجير الناجين من الإبادة الجماعية في غزة.
وقد صرح بذلك قبل أيام قليلة وزراء إسرائيليون، بعد أن مهد لهم نتنياهو بإصدار توجيهات تقضي بتوسيع مساحة القطاع الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية من 60% إلى 70%.
وقال وزير دفاعه كاتس: «لقد تعهدنا بأن حماس لن تحكم غزة مدنياً أو عسكرياً، وهذا ما سيكون. كما سيتم تنفيذ خطة الهجرة الطوعية».
وقد جرى التعتيم على تصريحات مجرمي الحرب هؤلاء من قبل الإعلام الخليجي. كما تولت الدبلوماسية المصرية والتركية تبريرها والتخفيف من وطأتها، بإحالتها إلى «مناورات انتخابية» إسرائيلية مؤقتة.
وفي الأردن، انتشرت تغريدة نُسبت إلى الرئيس الأميركي ترامب، جاء فيها أن على بدو الأردن المناهضين للتطبيع أن يُهجّروا إلى محافظة الأنبار العراقية. ثم تولت مواقع حكومية أردنية نفي تلك التغريدة أو التصريح.
وفي هذه الأجواء، تتصاعد محاولات سفراء وساسة وإعلاميين أجانب وعرب متصهينين لإثارة فتن طائفية وعرقية وقبلية بين المجتمعات العربية.
وكأنهم يطبقون مخططاً خلاصته: «فليذبح العرب بعضهم، وسنتولى نحن دفنهم والسيطرة على بلدانهم ومناطقهم».
لماذا نعود إلى تاريخ شيعة وموارنة لبنان؟
هذه وقفة تاريخية تعريفية حول تشكل بعض مكونات المجتمع اللبناني، وحركة هجراتها عبر التاريخ، وخصوصاً لدى مكونين محترمين: الطائفة المارونية المسيحية، والطائفة الشيعية المسلمة.
والهدف هو دحض خرافات وتخرصات الجهلة من أمثال السفير الأميركي ميشيل عيسى، الذي يستعمله ترامب كخرقة مبتلة بالبنزين لإحراق المشهد المجتمعي اللبناني.
كما نريد أن نوضح حقيقة التشكل المكوناتي اللبناني قبل أن يتنطع أحد للتلميح بتهجير اللبنانيين الشيعة، وهم الأقدم والأعرق من غيرهم في أرض لبنان.
وقبل البدء، أسجل أنني أحترم جميع مكونات الشعب اللبناني المجتمعية. كما أحتفظ بمودة وإعجاب خاصين بالرفاق والرفيقات الوطنيين الاستقلاليين اللبنانيين من المسيحيين والمسيحيات الموارنة، الذين رفضوا العمالة والتماهي مع سردية العدو الإسرائيلي.
وبرزت من صفوفهم سيدات مثقفات وإعلاميات شجاعات، تفوقن على سائر الإعلاميين اللبنانيين، بمن فيهم إعلاميو المقاومة الرسميون وشبه الرسميين.
وقد نوهت في كتابات سابقة بجهود مجموعة من هؤلاء الباسلات. وما أزال أتابع أداءهن الإعلامي المبهر، ومنهن: رولا نصر، ومايا خوري، وغدي فرنسيس، ورندلي جبور، وسندريلا مرهج، وراشيل كرم. ولهن زميلات وزملاء لا يقلون عنهن بسالة وجرأة من مختلف المكونات.
التنوع اللبناني ومناعة الهوية الوطنية
الغرض من هذه الوقفة التاريخية هو التعريف بحيثيات تاريخ مجتمعاتنا، وتنوير الرأي العام بحقائقه، وتعزيز مناعتها الوطنية ضد الأكاذيب والتضليل المعادي المبرمج.
والخلاصة التي نريد الوصول إليها هي أن مجتمعاتنا العربية، المؤلفة من مكونات دينية وطائفية وعرقية وقبائلية مختلفة، تفخر بهذا التنوع وهذه التعددية طوال عمرها.
وهذا التنوع لا نجد مثيلاً له في غالبية الدول التي تصف نفسها بالمتحضرة والديمقراطية. فقد قضت تلك الدول على التنوع النسبي فيها منذ مذبحة سان بارتيليمي عام 1572، التي جرى خلالها استئصال الوجود البروتستانتي في فرنسا خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 1562 و1598.
وقد انتهت تلك المرحلة بزوال المكون البروتستانتي في فرنسا، وهجرة الناجين من المذابح إلى سويسرا.
وعلى هذا الأساس، ينبغي في مواجهة عدو شرس وخبيث أن نمنح أولوية الولاء للهويات الوطنية التي ولدت وتكرست بعد استقلال بلداننا العربية.
كما ينبغي ألا نمنح الأولوية للانتماءات الفرعية الطائفية أو غيرها. ومن هنا يبدأ السؤال: ماذا نعرف عن شيعة وموارنة لبنان؟
اللبنانيون المسيحيون الموارنة
الموارنة طائفة دينية مسيحية نشأت في سواحل بلاد الشام، وخاصة في لبنان. وتتبع هذه الطائفة الكنيسة المارونية، وهي كنيسة كاثوليكية شرقية.
تعود تسميتهم إلى مار مارون، الراهب السرياني الذي عاش في شمال سوريا خلال القرن الرابع. وبعد ستة قرون، انتقل أتباعه إلى جبل لبنان، ليقترن اسمهم به منذ القرن العاشر الميلادي، مؤسسين بذلك الكنيسة المارونية.
تمكن الموارنة من الحفاظ على كيان شبه مستقل خلال فترتي الخلافة الأموية والعباسية. كما حافظوا على ديانتهم المسيحية حتى الآن، وعلى لغتهم السريانية حتى القرن الثالث عشر.
ويعود أصل الموارنة إلى سوريا الحالية، وتحديداً من محيط نهر العاصي وجبل قورش قرب حلب وحماة وأنطاكية.
وقد اكتمل تشكل الطائفة المارونية كحركة نسكية عبادية أولاً، ثم كمكون هوياتي فرعي، أي «طائفة»، في القرن الخامس الميلادي حول «القديس مارون».
ثم نزحت هذه الجماعة تدريجياً إلى جبل لبنان بين القرنين السابع والعاشر الهجريين، أي بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين، هرباً من الاضطهاد العثماني.
وهذا يعني أن الموارنة مكون لبناني عريق. لكنه يعني أيضاً أنهم سوريون أصلاً. والأدق عندي أن نقول إنهم شاميون.
فالانتماء إلى الشام أعرق من الوصف الجغرافي السوري، الذي ولد مع تأسيس ولاية سوريا نسبة إلى الإمبراطورية الرافدانية العراقية القديمة آشوريا أو آسوريا، في عهد الاحتلال السلوقي بين عامي 312 ق.م و64 ق.م، أي لفترة أقل من قرنين ونصف.
لذلك، يبقى الانتماء إلى تسميات عربية عريقة، مثل بلاد الشام، أكثر اتساقاً تاريخياً واجتماعياً من تسميات أطلقها احتلال أجنبي.
الموارنة بين الفلاحة والثورات المحلية
كان المجتمع الماروني أساساً مجتمعاً فلاحياً نشطاً. وقد خاض هذا المجتمع العديد من الثورات والانتفاضات الفلاحية الكبرى ضد الاضطهاد العثماني والإقطاعي المحلي.
كما حاول الموارنة التخلص من الهيمنة العثمانية المباشرة. فدعم الزعماء الموارنة، مثل عائلتي آل الخازن وآل حبيش في كسروان، توسيع نفوذ وتمرد الأمراء المحليين.
ومن هؤلاء الأمير فخر الدين المعني الثاني، سعياً إلى خلق إمارة مستقلة تدير شؤون الجبل بعيداً عن السلطة المركزية في إسطنبول.
وقبل ذلك، حاولوا التخلص من الهيمنة العثمانية عبر طلب الدعم الأجنبي الأوروبي. فبادر البطريرك الماروني موسى العكاري إلى مراسلة الإمبراطور الفرنسي شارل الخامس عام 1527، طالباً إنقاذ لبنان وتقديم الدعم العسكري.
وعندما تحالف الإقطاعيون المحليون مع السلطات العثمانية، وتضاعف الظلم على الفلاحين الموارنة، ثار هؤلاء في منتصف القرن التاسع عشر.
ثم اندلعت ثورة الفلاحين الموارنة ضد الهيمنة العثمانية المتمثلة في النظام الإقطاعي المدعوم من الولاة.
ومن أبرز رموز هذه المرحلة انتفاضة الفلاحين بقيادة طانيوس شاهين عام 1858. وقد أطاحت هذه الانتفاضة بسلطة الإقطاعيين في كسروان.
وكان شاهين مكارياً مثل والده، أي ينقل البضائع على ظهور الخيل والبغال. كما أصبح زعيماً للفلاحين الموارنة الثائرين في جبل لبنان.
قاد شاهين ثورة الفلاحين في منطقة كسروان بين عامي 1858 و1860 ضد آل الخازن الإقطاعيين في المنطقة. ثم أعلن، بدعم من الفلاحين، إنشاء جمهورية مستقلة في كسروان.
والعجيب أن الإكليروس الديني الماروني والقناصل الأوروبيين توحدوا ضد شاهين وثورته وجمهوريته. وقد وصفوه بالشخص الهمجي والإرهابي وذي السمعة السيئة.
أما الفلاحون، فقد اعتبروه زعيماً لهم ووصياً على مصالحهم حتى نهاية ثورته وجمهوريته. وقد حاول مثقفو اليمين اللبناني الرجعي حذف هذه الجمهورية من التاريخ اللبناني، لكنهم لم ينجحوا.
اللبنانيون المسلمون الشيعة
الشيعة اللبنانيون موجودون هنا منذ ألف عام، بجذورهم اليمانية ودورهم التأسيسي في التشيع الإيراني الصفوي.
إن عمر هذا المكون الطائفي اللبناني، كما تقول المصادر التاريخية والموسوعات المفتوحة، أكثر من ألف عام.
ونحن هنا نتكلم عن الطائفة كهوية فرعية لكيانية مجتمعية محايدة. لكنها ليست هوية ثابتة صماء، بل هوية عرضة للمتغيرات، لأنها ذات طبيعة علائقية، مشروطة بالأساس المادي للحياة، وبالوضع السياجتماعي لهذا الأساس.
ومعنى ذلك أن وجود الشيعة كطائفة دينية يعود إلى القرون الأولى من العصر الإسلامي، كما سنفصل بعد قليل.
وهم قومياً عرب أقحاح. إذ تعود جذورهم إلى القبائل اليمنية القحطانية، والحجازية والنجدية العدنانية، التي توغلت غربي بلاد الشام في عصر صدر الإسلام.
وما تزال مدينة البطولة والتضحيات، بنت جبيل، تحمل حتى اليوم، وفق رواية بين ثلاث روايات، اسم أميرة تنوخية يمانية هاجرت من مدينة جبيل هرباً من بعض الضغوط، واستقرت في جنوب لبنان، في البقعة التي تحمل اسم «بنت جبيل».
كما أن هناك قبائل يمانية استوطنت جنوب لبنان. ومنها قبيلة تسمى «عاملة بن سبأ القحطانية»، ونُسبت إليها منطقة «جبل عامل» أو «عاملة».
ومن هذه القبائل أيضاً قبيلتا همدان القحطانية وعبد القيس العدنانية. وقد استقرتا في البقاع وجبل عامل منذ القرون الهجرية الأولى، وكانتا قادمتين من العراق بحسب بعض الترجيحات البحثية.
المتاولة والهوية الشيعية اللبنانية
كان يُطلق على الشيعة في لبنان اسم محلي يبدو أنه انقرض في العصر الحديث، هو «المتاولة»، جمع «متاولي».
ولهذا الاسم ثلاثة تفسيرات. وأرجحها عندي أنه مقاربة شعبية لمصطلح «المتأولة»، من «تأويل» النصوص الدينية في المذاهب الباطنية.
ومع ذلك، تجب ملاحظة أن الشيعة ليسوا كلهم من الباطنية. فبعضهم يرفضون هذا التصنيف، كالشيعة الاثني عشرية. بينما يأخذ به آخرون، كالشيعة الإسماعيلية.
لكن التسمية شاعت شعبياً رغم ذلك.
يشكل عموم الشيعة نسبة مهمة في المجتمع اللبناني تفوق 30%. أي إنهم المكون الثاني بعد المسلمين السنة.
وهم، مع السنة، يشكلون غالبية سكان لبنان بنسبة تتراوح بين 61% و66%. بينما تتراوح نسبة المسيحيين بين 33% و35%.
ومع ذلك، بقيت الهيمنة السياسية، وخصوصاً احتكار رئاسة الدولة وقيادة الجيش، بأيدي المسيحيين الموارنة بموجب حكم المحاصصة الطائفية.
وقد وضع الاحتلال الفرنسي هذا الحكم عندما تأسست الدولة اللبنانية بقرار من الجنرال الفرنسي هنري غورو في الأول من أيلول سنة 1920. ثم أُعلن استقلالها الشكلي في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943.
عراقة التشيع اللبناني
وفقاً للروايات التاريخية الأوثق، بدأ التشيع بالانتشار في المناطق التي يشملها لبنان المعاصر منذ عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان.
وممن ذكروا الوجود الشيعي القديم في لبنان الرحالة الفارسي الشهير ناصر خسرو سنة 437 هجري، أي 1020م.
وقد مر خسرو بمدينة صور الجنوبية. وكتب عنها: «إن أكثر أهلها شيعة إمامية، ومن بلدات الإقليم القريبة تبنين وهونين وقدس والشقيف، وأكبر مدنه صيدا ثم صور، وأكبر قراه النبطية وبنت جبيل والخيام».
وقد اقتبس السيد محسن الأمين هذا النص في كتابه «أعيان الشيعة»، ج1، ق2، ص240.
وقد ترسخ هذا الوجود وتوسع في جنوب لبنان، أي «جبل عامل»، نسبة إلى قبيلة بني عاملة القحطانية اليمنية.
وساعدت البيئة الثقافية والعلمية في هذا الترسخ، واستمرت بالتطور رغم تعاقب الدول. وبرز من الشيعة علماء كبار، مثل الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني في القرن الرابع عشر.
صلاح الدين والشيعة في قراءة براغماتية
في عهد صلاح الدين الأيوبي، وبخلاف ما يشيعه بعض الشيعة المعادين عن جهل وتضليل للأيوبي، كانت علاقة الأيوبي بالشيعة ودية، أو لنقل عملية «براغماتية»، بعبارة الشيخ اللبناني الشيعي جعفر المهاجر.
وقد كتب الشيخ المهاجر ذلك في مقالته التعقيبية على سلسلة مقالاتي دفاعاً عن صلاح الدين الأيوبي.
قال الشيخ المهاجر: «فقد فتح صلاح الدين ذراعيه لكل مَن أتاه محارباً للصليبيين، من دون أدنى اعتبار إثني أو مذهبي. وكانت القرارات القتالية التكتيكية تؤخذ في مجلس عسكري، يضم أمراء الجيوش، طبعاً برئاسة صلاح الدين. كان هو شافعياً، كأكثر أبناء البيت الأيوبي، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يكون أمراء جيشه من غير مذهب. بل كان أعلاهم شأناً في أيامه الأخيرة قبل وفاته أمير شيعي عاملي، هو الأمير حسام الدين بشارة الغساني».
وهذا المثال مهم في قراءة شيعة وموارنة لبنان، لأنه يذكرنا بأن العلاقات المذهبية في تاريخ المنطقة لم تكن دائماً كما تريد السرديات الطائفية الحديثة تصويرها.
القمع المملوكي والتقية والنزوح
في ظل الحكم المملوكي، منذ أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، تعرض الشيعة لحملات قمع وتهجير واسعة، أسوة بمكونات طائفية أخرى.
ومن أشهر هذه الحملات «مذابح كسروان».
وبسببها، اضطر بعض الشيعة إلى اعتماد «التقية» بطريقة الانتماء الظاهري إلى مذهب سني هو المذهب الشافعي، وهو أقرب المذاهب السنية إلى المذهب الجعفري الشيعي.
وفي الوقت نفسه، ظل هؤلاء يحتفظون سراً بإيمانهم بمذهبهم الآخر.
أما آخرون، فقد نزحوا ولجأوا إلى مناطق أكثر تحصيناً في البقاع والجنوب، هرباً من الاضطهاد.
وفي القرن السابع عشر الميلادي، انبعث النفوذ الشيعي وعاد إلى الظهور بقوة في جبل لبنان الشمالي. وقاده مشايخ آل حمادة، الذين تولوا جباية الضرائب وحكموا تلك المناطق لفترة من الزمن.
وهؤلاء غير مشايخ آل حمادة الدروز.
ومع تعاظم نفوذ الأمير بشير الثاني الشهابي، وهناك شبه إجماع بين المؤرخين على أنه ولد مسلماً، وعاش مقرباً من الدروز لضرورات الحكم، وتوفي مسيحياً مارونياً، شُنت حملات عسكرية بدعم من السلطنة العثمانية.
وقد انتهت هذه الحملات بإنهاء حكم أو هيمنة مشايخ الحمادة الشيعة عام 1770، مما أدى إلى نزوح من تبقى منهم باتجاه البقاع.
شيعة جبل عامل والدولة الصفوية
من المعلوم أن دور شيعة لبنان كان مهماً ومؤثراً خارج لبنان، وتحديداً في إيران الصفوية بين عامي 1501 و1736 في طورها التأسيسي.
فقد كان لعلمائهم وفقهائهم دور كبير في نشأة المؤسسة الصفوية الشيعية الحاكمة في إيران.
وهذا بخلاف علماء شيعة العراق، الذين استمروا على تقاليدهم في الاستقلال التام عن الحكام، مع معارضتهم ونقدهم عند الضرورة، حتى لو كان الحكام من مذهبهم وطائفتهم.
وقد جاء ذلك تساوقاً مع تقليد عراقي قديم في معارضة الدولة الفوقية أياً كانت. لكن هذا التقليد انتهى مع الاحتلال الأميركي سنة 2003، حين تحالفت الشيعية السياسية العراقية مع الاحتلال.
لقد لعب علماء الشيعة من جبل عامل دوراً تأسيسياً محورياً في عهد الدولة الصفوية. إذ استعان بهم الشاه إسماعيل الأول لنشر المذهب الاثني عشري، وتأصيل الفقه الجعفري المؤسسي، وتثبيت الهوية الشيعية للدولة والمجتمع في إيران.
ومن علمائهم المشهورين في هذا السياق: المحقق الكركي، علي بن عبد العالي الكركي، والشيخ بهاء الدين العاملي، والشهيد الثاني زين الدين الجبعي العاملي.
ومن هنا تأخذ خصوصية علاقة المكون الشيعي اللبناني مع إيران جذرها ومداها. لذلك، ينبغي فهمها وأخذها بنظر الاعتبار عند الكتابة عن حيثيات أنثروبولوجيا واجتماعيات المكونات المجتمعية في لبنان وغيره.
كما لا يجوز التعويل على حماقات وجهل الساسة الطائفيين اللبنانيين والأجانب، من أمثال السفير الأميركي الجاهل ميشيل عيسى.
الشيعة اللبنانيون والإقطاع المحلي
لم تكن الظاهرة الإقطاعية ومظالمها بعيدة عن تاريخ الشيعة اللبنانيين. فقد عانى الفلاحون الفقراء الشيعة من مآسيها.
لم يكن هؤلاء يملكون الأراضي التي يزرعونها. بل كانوا خاضعين لنوع قاس من التبعية الاقتصادية والسياسية للإقطاعي.
وقد احتكر الإقطاعي حتى تمثيلهم في البرلمان.
ومن العائلات الإقطاعية الشيعية المعروفة: آل الأسعد، وآل الزين، وآل الخليل.
وانتفض الفلاحون الفقراء الشيعة ضد إقطاعييهم مرات عديدة. وكان آخر هذه الانتفاضات في خمسينات القرن الماضي، حين تحولت إلى انشقاقات وخلافات داخل الأسرة الإقطاعية نفسها.
ومع بدء الحرب الأهلية في لبنان في سبعينات القرن الماضي، أخذ الإقطاع الزراعي التقليدي في عموم لبنان بالضمور والتلاشي.
ثم ظهرت إلى الوجود الأحزاب والزعامات السياسية والاقتصادية الحديثة، ضمن الاقتصاد الخدماتي والكومبرادوري التابع.
شيعة وموارنة لبنان في مواجهة عبث السفير الأميركي
خلاصة القول إن تلميحات السفير ورجل الأعمال والمصارف «المتأمرك» ميشيل عيسى لا تعبر فقط عن جهله الشنيع بتاريخ البلاد التي تعود جذوره إليها.
كما لا تكشف جهله بتاريخ مكونات الشعب اللبناني وهوياته الفرعية فقط. بل تمثل أيضاً عبثاً غير مسؤول بالشرر الطائفي الخطر، في بلد محتقن ويعاني من مآسي الاحتلال والغزو الصهيوني الدوري.
وسواء فعل عيسى ذلك عن غباء وجهل، أو عن قصد وتخطيط مسبق، فإنه يريد إثارة الفتن، ويزيد من مآسي لبنان الكثيرة.
وقد تسببت بهذه المآسي الحروب العدوانية والغزوات المتكررة من قبل الكيان الصهيوني.
وهذا الكيان لا مستقبل له، كما صرح بذلك بعض مؤسسيه، إلا بأن يحيط نفسه بكيانات ودويلات طائفية وعشائرية مارونية وسنية وشيعية وغيرها، وأن يمزق الدول القائمة اليوم ويفتتها.
ولا خلاص لهذه المجتمعات المستهدفة بالمشروع الصهيوإمبريالي إلا بالتخلي عن منظومات حكم الطائفية السياسية التي جاءت بها الهيمنة الفرنسية على لبنان والاحتلال الأميركي للعراق.
كما لا خلاص لها إلا بإقامة أنظمة حكم اشتراكية مساواتية مستقلة، تعلي من شأن الهوية الوطنية الرئيسية على حساب الهويات الفرعية الطائفية والعرقية والعشائرية.
فهذه الهويات الفرعية يجب أن تكون مُثرية ثقافياً للهوية الرئيسية، لا منافسة لها ولا مدمرة لها.


