لحظة الانكشاف الكبرى

لحظة الانكشاف الكبرى وقلاع العزلة في بغداد
قراءة في فلسفة العمارة السياسية، من سامراء العباسية وقصر تشاوشيسكو إلى المنطقة الخضراء، حيث تصنع قلاع العزلة خوف السلطة وتؤجل لحظة الانكشاف الكبرى

لحظة الانكشاف وهندسة العزلة

تخبرنا فلسفة العمارة أن الجدران لا تُبنى فقط لصد الأعداء. فهي تُبنى أيضاً لتحديد مسارات الوعي، وصناعة مسافات آمنة بين الحاكم ومحكوميه. ومن هنا تبدأ لحظة الانكشاف، حين تتحول الجدران من وسيلة حماية إلى دليل خوف.

ولعل أبلغ الشواهد على هذه الهندسة العقابية يعود إلى القرن الثالث الهجري، التاسع الميلادي، في وادي الرافدين. فقد قرر الخليفة العباسي المعتصم بالله، تحت وطأة تمرد البغداديين وغضبهم من ممارسات جنده، أن يؤسس عاصمة بديلة ومعزولة بالكامل في الصحراء، هي سامراء.

هناك، شيد المهندسون قصوراً فردوسية، مثل الجوسق الخاقاني والمريد. وفي تلك القصور، تدفقت المياه والرفاهية بعيداً عن الواقع. وكان الهدف واضحاً: خلق قلعة نخبوية تحمي الحكام من ضوضاء الناس واحتجاجاتهم.

لكن هذه الهندسة، التي أرادت عزل الحاكم في رغد مطلق، عجلت بنهايته. فقد تحولت تلك القلاع المحصنة إلى مصيدة. وفيها قُتل الخلفاء على أيدي حراسهم، في ما عُرف تاريخياً بفوضى سامراء.

وهكذا بقيت بغداد، وزالت عاصمة العزلة المصطنعة.

سامراء وسقوط عاصمة العزلة

لم تكن سامراء مجرد مدينة جديدة. بل كانت محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر الجغرافيا.

فحين يبتعد الحاكم عن الناس، لا يبتعد بجسده فقط. بل يبتعد بوعيه، وبحواسه، وبقدرته على سماع الغضب قبل انفجاره.

لذلك، لم تمنح القصور العباسية أصحابها أمناً دائماً. بل منحتهم وهماً قصير العمر. وعندما جاءت لحظة الانكشاف، تبيّن أن الحراس أقرب إلى القاتل من الرعية الغاضبة.

ومن هذه التجربة، يمكن فهم قاعدة تاريخية عميقة: كل سلطة تبني عزلتها بوصفها حصناً، قد تكتشف لاحقاً أنها بنت قبرها السياسي بيديها.

تشاوشيسكو وقصر الشعب

هذا النزوع إلى تطويع الجغرافيا لعزل الرفاهية وإخضاع التمرد ليس حكراً على الشرق.

ففي التاريخ الأوروبي الحديث، يبرز نموذج نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا بوصفه شاهداً صارخاً على هذه السيكولوجية.

في ثمانينيات القرن الماضي، أمر تشاوشيسكو بهدم أحياء تاريخية كاملة في بوخارست، من أجل إقامة قصر الشعب، وهو قصر البرلمان حالياً.

أراد هذا القصر أن يكون أضخم مبنى إداري مدني في العالم. كما أحاطه بشوارع رئيسية واسعة ومجمعات معزولة للنخبة الشيوعية الحاكمة.

كان القصر يتلألأ بالثريات الكريستالية والرخام الفاخر والدفء. وفي المقابل، كان الشعب الروماني، على بعد أمتار قليلة خلف تلك الأسوار، يقف في طوابير الخبز الطويلة.

كما كان يعاني من تقنين الكهرباء الحاد، والغرق في الظلام والصقيع.

لقد ظن تشاوشيسكو أن هذا المارد الخرساني سيقيه غضبة الجياع. لكن عندما حانت لحظة الانكشاف الكبرى عام 1989، لم تحمه جدرانه الضخمة من هدير الجماهير.

فقد اقتحمت الجماهير ذلك المعزل الفخم في دقائق معدودة.

المنطقة الخضراء وإعادة إنتاج العزلة

اليوم، تبدو المنطقة الخضراء في بغداد كإعادة إنتاج مشوهة لهذه التجارب التاريخية.

إنها أشبه بسدوم جديدة. لم تنهَر تلك المدينة الميثولوجية بسبب انحرافات سلوكية عابرة فقط، بل بسبب نظامها البنيوي القائم على الأنانية المفرطة، والعزل الممنهج، واللامبالاة المطلقة بمعاناة الآخرين.

وفي هذا المعزل البغدادي الحديث، تنعم النخبة بالكهرباء التي لا تنقطع، والمياه الصالحة للشرب، والحدائق الغناء، والشوارع النظيفة.

وفي المقابل، يرزح ملايين العراقيين خارج تلك الكتل الكونكريتية تحت وطأة النفايات، وغياب الخدمات الأساسية، والحر القاتل.

وهنا تظهر لحظة الانكشاف الأخلاقية قبل السياسية. فالمشكلة ليست في وجود منطقة محمية فقط. بل في أن تتحول الحماية إلى نظام حياة منفصل عن الناس، ومصمم ضدهم نفسياً واجتماعياً.

المحاصصة وشرعنة الغنيمة

وجد هذا الفساد البنيوي في نظام المحاصصة ركيزته الأساسية.

فقد شرعن هذا النظام توزيع الغنائم، واتخاذ القرارات المصيرية في غرف مغلقة ومكيفة، لصالح طبقة حاكمة انتقلت فجأة من أزقة الحرمان إلى قصور الفخامة.

لكن هذه الطبقة لم تمر بمرحلة انتقالية تؤهلها سلوكياً وحضارياً لفهم معنى الدولة.

لذلك، بقيت متخلفة في ذوقها، ومستعرضة لبذخها الفج، عبر طقوس هجينة شوهت الهوية التاريخية والحضارية لبغداد.

وهكذا لم تنتج المحاصصة سلطة فقط. بل أنتجت ذوقاً سياسياً منحطاً، يرى الدولة غنيمة، والمدينة واجهة، والناس كتلة صامتة يمكن عزلها خلف الكونكريت.

قلعة جاهزة لديمقراطية منخفضة الحدة

ما لا يدركه الكثيرون أن هندسة هذه البقعة المعزولة لم تكن وليدة الفوضى التي تلت الاحتلال.

بل كانت مشروعاً معداً مسبقاً، وتخطيطاً جاهزاً، أسقطه المحتل على الواقع، كي يتناغم مع هيكلية سياسية موازية تقوم على تقسيم الرئاسات الثلاث كحصص ثابتة.

لقد صُممت هذه المنطقة لتكون قلعة طبقية ونفسية، تمنع أي امتداد طبيعي لبغداد.

كما صُممت لتشرعن ما يُعرف بالديمقراطية منخفضة الحدة.

وفي هذه الحالة السياسية، يكتفي النظام بتقديم المظاهر القشرية للديمقراطية، مثل الصناديق، والبرلمان، والصحافة الفضفاضة.

لكنه يفرغ الجوهر الحقيقي للديمقراطية، أي العدالة الاجتماعية، والتواصل الحيوي مع الناس.

لذلك، صار السياسي المعزول يرى نبض الشارع وأوجاع الكادحين من خلف زجاج مصفح ومعقم. وهذا الزجاج يحجب عنه حتى غبار المدينة.

ومع الوقت، ينسى هذا السياسي أن الفضاء الذي يفترض أن يصنع القانون قد تحول إلى وكر لحماية المكتسبات الخاصة.

وهذا التحول هو المنذر الحتمي بالانفجار.

لحظة الانكشاف وسيكولوجية الخوف

ومع ذلك، يخفي هذا الاستعراض الفج للقوة والرفاهية حالة من الرعب الوجودي المستمر.

تظهر سيكولوجية الخوف لدى هذه النخبة بوضوح في سلوكياتها اليومية. فهي تعيش بهواجس النصاب الذي يخشى لحظة المداهمة والانكشاف.

ويتضح هذا الهلع في الطرق المبتكرة وغير المتوقعة لإخفاء وتكديس الأموال المسروقة داخل البلاد.

كما يظهر في تسريب الجزء الأكبر منها إلى الخارج، وشراء عقارات فارهة في عواصم أوروبية وإقليمية، تحسباً لقلب الطاولة وانقلاب الأوضاع.

إنهم يدركون في أعماقهم أن هذه الجدران ليست دروعاً أبدية. بل هي جدران من خوف مذهب، قد تتداعى عند أول هزة حقيقية.

ومن هنا، لا تكشف المنطقة المعزولة عن قوة السلطة فقط. بل تكشف أيضاً عن ذعرها، وعن يقينها الداخلي بأن الناس لم ينسوا.

سنن التاريخ وقوانين السماء

تخبرنا سنن التاريخ وعلم الاجتماع أن جدران العزل تحمل دائماً بذور تصدعها من الداخل.

كما تخبرنا قوانين السماء، التي تؤكد أنه ما كان للقرى أن تهلك بظلم وأهلها مصلحون، أن الظلم لا يصنع استقراراً دائماً.

فمهما بلغت فخامة الجدران، ومهما ازدادت تحصيناتها، فإنها لا تستطيع أن تمنع حركة الزمن.

وكما سقطت حصون سامراء العباسية، وتهاوت أسوار قصر تشاوشيسكو في بوخارست، فإن قلاع العزلة في بغداد ليست استثناءً من هذه الحتمية التاريخية.

إن النهاية لا تكتبها الصدف. بل يصوغها تلاقي عاملين حاسمين لا يخطئان أبداً: إرادة الشعوب الحرة، وحركة الزمن التي لا تتوقف.

وعندما تلتقي الإرادة بالزمن، تأتي لحظة الانكشاف الكبرى. وحينها لا تبقى الجدران سوى شهادة صامتة على خوف الذين ظنوا أنهم يستطيعون شراء الأمان بالعزلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *