العلاقة بين إيران والعراق أعمق من الحكومات
لا يمكن قراءة العلاقة بين إيران والعراق من خلال بيانات وزارة الخارجية فقط. كما لا يمكن فهمها من خلال تغير الحكومات أو تبدل الإدارات السياسية.
فهذه العلاقة أعمق بكثير من أن تُختزل في اتفاقية اقتصادية، أو زيارة رسمية، أو تفاهم سياسي عابر. إنها علاقة شعبين تجاورا لآلاف السنين، وتقاسما العقيدة والدم والمصير، ووقفا مع بعضهما في أشد المحن.
لذلك، لا تمثل العلاقة بين إيران والعراق علاقة سلطة بسلطة فقط. بل تمثل علاقة تقارب فكري ومذهبي وروحي، وتاريخ مشترك لا يمكن تغافله أو تجاوزه.
أولاً: التقارب الفكري والمذهبي والعقائدي
يمثل العمق العقائدي جوهر العلاقة بين إيران والعراق. فالبلدان يشكلان مركز الثقل الشيعي في العالم.
في العراق تقع النجف الأشرف، حاضرة الحوزة العلمية ومرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. كما تقع كربلاء المقدسة، قبلة الأحرار، إضافة إلى الكاظمية وسامراء.
وفي إيران تقع قم المقدسة، منارة العلم والفقه، ومشهد الإمام الرضا عليه السلام.
ومن هنا، لا يمكن التعامل مع البلدين كجوار جغرافي فقط. فالجغرافيا هنا تختلط بالعقيدة، والحوزة، والمرجعية، والذاكرة الدينية المشتركة.
حوزتا النجف وقم ونهر الوعي الواحد
المرجعيات في النجف وقم ليست منفصلة. فالطالب الذي يدرس في قم اليوم، قد يكون بالأمس في النجف.
كما أن الكتب التي تُدرس في الحوزتين واحدة، والمناهج الفكرية متقاربة. كذلك تصب الفتاوى والتراث الروائي في نهر واحد.
هذا التقارب الفكري أنتج وعياً مشتركاً. إنه وعي المظلومية، ووعي المقاومة، ووعي التمسك بأهل البيت عليهم السلام.
لذلك، عندما يتحدث خطيب في طهران عن كربلاء، يبكي العراقي. وعندما يتحدث خطيب في بغداد عن الغربة، يبكي الإيراني. فالوجدان واحد، والذاكرة واحدة، والجرح واحد.
ثانياً: العلاقة بين إيران والعراق طريق روحي واحد
الروح لا تعرف حدوداً. وأكبر دليل على ذلك هو زيارة الأربعين.
كل عام، يمشي أكثر من 3 ملايين إيراني إلى كربلاء. يقطعون الصحراء مع إخوانهم العراقيين من البصرة والناصرية والعمارة.
في هذا الطريق، لا يسأل أحد عن الجنسية. فالبطاقة الوحيدة هي: «لبيك يا حسين».
هذا المشهد هو أكبر تجمع سلمي في العالم. كما أنه تجسيد حي للتقارب الروحي بين الشعبين.
ومن هنا، تظهر العلاقة بين إيران والعراق في أقوى صورها الشعبية. فهي لا تحتاج إلى خطاب رسمي كي تثبت وجودها، لأنها تُرى في الطريق، والمواكب، والدموع، والخدمة، والزيارة.
الدعاء والبكاء والرجاء الواحد
الأم الإيرانية تنذر لولدها المريض عند باب القبلة في الكاظمية. وفي المقابل، يذهب العراقي للتبرك بقبر الإمام الرضا عليه السلام في مشهد.
الدعاء واحد، والبكاء واحد، والرجاء واحد.
هذه الروابط الروحية لا تستطيع أي سياسة أن تقطعها. فقد تستطيع السياسة أن تصنع أزمة عابرة، لكنها لا تستطيع أن تمحو ذاكرة الزيارة، ولا أن تفصل وجدان العراقي عن وجدان الإيراني.
لذلك، تبقى العلاقة بين إيران والعراق أقوى من التوترات السياسية، وأرسخ من الحملات الإعلامية، وأعمق من حدود الجغرافيا.
ثالثاً: وقوف الشعبين معاً في المحن
تُعرف الشعوب في الشدائد. وفي الشدائد، كان العراق وإيران سنداً لبعضهما.
فالعلاقة بين إيران والعراق لم تبقَ في حدود الزيارة والحوزة والعاطفة الدينية. بل تحولت في لحظات الخطر إلى إخوة سلاح، ودعم ميداني، ومساندة سياسية وشعبية.
وهذا ما ظهر بوضوح في حرب داعش عام 2014، ثم في موقف العراق من الحرب الأخيرة على إيران.
مساندة إيران للعراق في حرب داعش 2014
عندما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي ثلث العراق، وسقطت الموصل، وأصبح الخطر على بغداد وكربلاء والنجف حقيقياً، لم يقف الشعب الإيراني متفرجاً.
قدمت إيران الدعم الاستشاري واللوجستي والعسكري. كما كان للمستشارين الإيرانيين دور في تنظيم الصفوف.
لكن الأهم من الدعم الميداني كان الموقف المعنوي. فقد أصدرت المرجعية في إيران والمرجعية في العراق نداءً واحداً في الجوهر: الدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات.
ثم تشكل الحشد الشعبي، واختلط دم المقاتل العراقي بدم الشهيد الإيراني في جبهات تكريت والفلوجة وبيجي.
وسميت هذه العلاقة «إخوة سلاح»، لأنهم أكلوا من القدر نفسه، وناموا في الخندق نفسه، وواجهوا العدو نفسه. كان ذلك العدو يريد ذبح الشيعة في البلدين.
مساندة العراق لإيران في الحرب الأخيرة
وكما وقفت إيران مع العراق، وقف العراق مع إيران.
فالشعب العراقي يدرك أن أي حرب على إيران هي حرب على التشيع، وحرب على محور المقاومة، وحرب على العمق الاستراتيجي للعراق نفسه.
لذلك، خرجت الملايين في بغداد والبصرة والنجف وكربلاء تندد بالعدوان. كما فتحت العشائر العراقية بيوتها، وأُعلنت حالة التعبئة الشعبية.
ودافع الإعلاميون والكتاب والمراجع في العراق عن حق إيران.
فالمنطق العراقي واضح: إذا سقطت طهران، فالدور على بغداد. وإذا انكسرت قم، فالنجف مستهدفة.
ومن هنا، لم تكن المساندة العراقية لإيران مجاملة سياسية. بل كانت دفاعاً عن النفس، وعن المذهب، وعن العمق الذي يحمي العراق أيضاً.
رابعاً: الجغرافيا والتاريخ والثقافة
يضاف إلى ذلك كله عاملان كبيران: الجغرافيا، والتاريخ الثقافي.
فالعلاقة بين إيران والعراق لا تقوم على العقيدة وحدها. بل تقوم أيضاً على حدود طويلة، وامتداد اجتماعي، وتداخل عشائري، وتاريخ ثقافي عميق.
الجغرافيا المشتركة
تبلغ الحدود المشتركة بين العراق وإيران 1458 كم.
الأهواز امتداد للبصرة. كما أن كرمانشاه امتداد لديالى. والعشائر والقبائل ممتدة على الجانبين.
وهذا الامتداد لا تصنعه الخرائط فقط. بل تصنعه المصاهرات، والزيارات، والتجارة، واللهجات، والذكريات المشتركة.
لذلك، يصعب فصل الجغرافيا العراقية عن الجغرافيا الإيرانية في الوعي الشعبي للمناطق الحدودية.
التاريخ والثقافة المشتركة
أما التاريخ والثقافة، فهما أكثر تداخلاً.
من بابل إلى شوش، ومن العصر العباسي إلى الدولة الصفوية، تنقل الشعراء والأدباء والعلماء بين بغداد وطهران وأصفهان.
كما تداخل المطبخ، والعادات، واللغة. فهناك آلاف الكلمات الفارسية في اللهجة العراقية، وآلاف الكلمات العربية في اللغة الفارسية.
وهذا التداخل ليس تفصيلاً لغوياً فقط. بل هو دليل على عمق التفاعل الحضاري بين الشعبين، وعلى أن العلاقة بين إيران والعراق سبقت الدولة الحديثة، وستبقى بعدها.
علاقة شعب بشعب لا سلطة بسلطة
العلاقة بين إيران والعراق ليست إذن علاقة «سلطة بسلطة». فالحكومات تزول وتأتي، والتحالفات السياسية تتغير، والبيانات الرسمية قد تختلف من مرحلة إلى أخرى.
لكن العلاقة الأعمق هي علاقة «شعب بشعب».
إنها علاقة شعبين تربطهما العقيدة في علي والحسين عليهما السلام. كما تربطهما الجغرافيا، وثقافة العزاء والزيارة، وذكريات الدم في الخنادق ضد داعش، وضد كل من أراد النيل من التشيع.
ومن يريد أن يفهم مستقبل المنطقة، عليه أن يفهم هذه الحقيقة: كسر هذه العلاقة يعني كسر ظهر الأمة. أما تقويتها، فتعني تقوية محور الصمود.
لأن إيران والعراق ليسا دولتين متجاورتين فقط. بل هما قلب واحد في جسدين.


