قلق العصر

قلق العصر وقطار العالم بلا كوابح
قراءة فكرية في قلق العصر، من الفوضى المنظمة والتحالفات الناقصة إلى تشوه القوة الأمريكية، وانحراف التكنولوجيا، وأزمة الشرعية الدولية، وأمل الفجر بعد الظلام...

قلق العصر وقطار العالم بلا كوابح

يبدو قلق العصر اليوم كأنه قطار سريع يسير بلا كوابح في ليلة معتمة. فالعالم يندفع إلى الأمام، لكنه لا يعرف تماماً إلى أين يذهب.

لقد استبدلت النخب السياسية وهج الفلسفة والوعي الاستراتيجي بتصريحات معلبة، مكررة، ومنزوعة المضمون. وتبث هذه التصريحات عبر الشاشات، كي تغذي حالة من التيه الجماعي.

ومن هنا، يتساءل المرء، وهو مثقل بمرارة الخيبات التاريخية ومخاضات التحول: ما جدوى كل هذا الصخب والضجيج، إذا كان الحاضر يراوح مكانه؟

بل إن الحاضر لا يراوح مكانه فقط. إنه يرتد بانتظام إلى ممارسات تبدو كأنها خارجة من معاطف القرون الوسطى.

الفوضى المنظمة والتحالفات الناقصة

نعيش اليوم في مناخ من الفوضى المنظمة والتحالفات الناقصة. وفي هذا المناخ، تقود القوة العسكرية الأكبر في العالم، والمتمثلة في الإدارة الأمريكية، مسيرة تعثر مخزية.

وهذا التعثر لا يليق ببشرية تقف على مشارف النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين.

هنا، يتجسد في الأفق ما حذر منه الفيلسوف الفرنسي فرانز فانون حول تشوه مراكز القوى وهوس الهيمنة.

فالرئيس الأمريكي، الذي يتربع على قمة أكبر سلطة معاصرة، يغير مواقفه ومزاجه في اليوم الواحد عدة مرات.

وهذا المشهد يدل على غياب التوازن، وانحراف المزاج، وضعف البصيرة. وفي المقابل، يلهث خلفه عالم يبطن الرفض، ويظهر الترقب الصامت.

قلق العصر وتشوه مركز القوة

لم يقف هذا التشوه البنيوي عند حدود الدبلوماسية. بل امتد ليلطخ وجه تمثال الحرية نفسه.

وبذلك، تبدو المبادئ البراقة التي بشر بها الرئيس ويلسون ذات يوم مجرد أدوات دعائية. فقد تلاشت تلك المبادئ داخل مجتمعات وفرة مادية تعاني من إفلاس قيمي حاد.

وهنا تظهر مفارقة قاسية. فالدول التي رفعت شعارات الحرية والحقوق والسلام، تحولت في لحظات كثيرة إلى مصدر للهيمنة والتدمير والتبرير الأخلاقي للعنف.

لذلك، لا يعود قلق العصر حالة نفسية عابرة. بل يصبح نتيجة مباشرة لاختلال عميق في ميزان القيم والقوة.

العلم والتكنولوجيا بين النجاة والتدمير

المفارقة الأكثر إيلاماً لضمير أي مفكر تكمن في مصير التقدم العلمي نفسه.

فهذا التقدم العلمي الكاسح، وهذه التكنولوجيا المذهلة، كان ينبغي أن يكونا طوق نجاة للإنسانية.

لكن القوى المهيمنة وظفتهما بدموية بشعة لخدمة التدمير والتخريب والعدوان.

وفي الوقت نفسه، يعاني مئات الملايين من البشر من نقص الطاقة، وندرة المياه، وغياب الأمن الغذائي.

كما يغيب عنهم الأمان الإنساني القائم على السلام الحقيقي.

وبالتالي، لم تعد المشكلة في نقص المعرفة. بل في انحراف استخدامها. فالإنسانية تملك أدوات النجاة، لكنها كثيراً ما تسلمها لمن يحولها إلى أدوات موت.

الشرعية الدولية كأقصوصة خرافية

أمام هذا العبث العالمي، لم يعد مجدياً الرهان على شرعية دولية صُورت لنا كأقصوصة خرافية.

لقد بدت هذه الشرعية، في أكثر من اختبار، عاجزة عن حماية الضعفاء، أو ردع المعتدين، أو وقف آلة الحرب.

ومن هنا، باتت الحاجة ملحة إلى ولادة تحالف دولي أخلاقي. وينبغي أن ينشد هذا التحالف السلام القائم على العدل، لا السلام القائم على موازين القوى وبطش الترسانات العسكرية.

فالسلام الذي يقوم على الخوف لا يصنع استقراراً. كما أن النظام الذي يحمي الأقوياء وحدهم لا يستحق أن يسمى نظاماً دولياً عادلاً.

الفجوات بين الأمم وهواجس الشعوب

تعمقت الفجوات بين الأمم حتى استقرت في أعماق الشعوب هواجس مرعبة.

ومن هذه الهواجس محاولات تقليص سكان الكوكب، والتخلص من قوميات لا يرضى عنها سفاحو العصر وقتلة الأمل.

وما يحدث الآن في منطقتنا وفي العالم ليس معزولاً عن سياقه. بل هو امتداد لتصدير العقد التاريخية الغربية والنزاعات العنصرية إلى الشرق.

ومن خلال هذا الامتداد، تجري محاولة الصعود فوق جثث الأبرياء، وامتصاص دماء الشعوب.

لذلك، لا يمكن قراءة الحروب الراهنة كأحداث منفصلة. فهي جزء من بنية عالمية مأزومة، تعيد إنتاج العنف بأسماء جديدة وشعارات مختلفة.

تديين الصراع وتشويه التحرر الوطني

الأنكى من ذلك كله، والأشد ضراوة، هو احتمال بروز التعصب الديني من جديد.

فبعض الأفكار والمواقف التي يطلقها دونالد ترامب تستعيد مناخات الحروب الدينية. كما تحاول تديين الصراع، وتحويله من صراع سياسي واستعماري إلى صراع عقائدي مفتوح.

وهذا المسار خطير. فهو لا يكتفي بتشويه الحقيقة، بل يشوه أيضاً نزعات الاستقلال الوطني وحركات التحرر القومي.

وعندما يجري تديين الصراع بهذه الطريقة، يصبح العنف أكثر شراسة. كما تصبح التسويات أكثر صعوبة، لأن الخصم لا يُقدَّم بوصفه طرفاً سياسياً، بل بوصفه عدواً وجودياً.

مكاشفة لا مرثية متشائمة

هذه ليست مرثية متشائمة. بل هي مكاشفة عارية للحاضر، وقراءة واقعية لجو ضبابي تمر عبره البشرية.

ورغم هذا الظلام الخانق، لا يتزعزع الإيمان بأن مهرجان الشروق سوف يسطع على كوكب الأرض ولو بعد حين.

فالفجر الصادق يأتي حتماً بعد الظلام الخانق. وستبقى دموع أطفال فلسطين، وضحايا الحروب، وشهداء الحرية، علامات مضيئة تبشر بالعدل المقبل.

ومن هنا، لا ينبغي أن يتحول قلق العصر إلى استسلام. بل يجب أن يتحول إلى وعي، وموقف، وقدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.

وقت الكلمات الصريحة

إن التاريخ يعيد نفسه بلغات مختلفة ومفاهيم معقدة. لكنه لا يرحم الواقفين في منطقة الرماد.

وقد حان وقت الكلمات الصريحة، والعبارات الواضحة، قبل أن تمضي القوافل بعيداً نحو مستقبل مجهول لا رجعة منه.

فالصمت في زمن الانهيار ليس حكمة. والحياد أمام العدوان ليس اتزاناً. كما أن الخوف من الحقيقة لا يحمي أحداً من عواقبها.

لذلك، لا بد من مواجهة قلق العصر بوعي أخلاقي جديد، وبخطاب سياسي أكثر صدقاً، وبإيمان لا يساوم على حق الشعوب في الحياة والحرية والعدل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *