الملخص
مثّل اجتياح تنظيم داعش للعراق عام 2014 انهيارًا مزدوجًا: عسكريًا، ونفسيًا جمعيًا. جاءت فتوى الجهاد الكفائي الصادرة عن المرجعية العليا في النجف بقيادة السيد علي السيستاني لتكون لحظة إعادة إنتاج للردع الوطني وإعادة بناء الثقة الجمعية، ما أفضى إلى نشوء وتحوّل الحشد الشعبي إلى قوة حسم ميداني واستعادة للهوية العراقية بمنطق المنتصر. يناقش البحث الأبعاد النفسية والاجتماعية لفلسفة النصر بوصفها متعة أمان واكتشاف صمام أمان مجتمعي، كما يفكك السرديات المعادية ومحاولات التفكيك والضغوط الأمريكية والتخوفات الإقليمية والاتهامات السياسية بالانتماء لإيران، ويحلل جوهر الصراع post-ISIS بوصفه صراع وعي وخطاب واستقلال قرار، ويؤسس لضرورة الانتقال إلى خطاب الأمة المنتصرة الواعية بالسياسات المضادة.
المقدّمة
سقوط مدن عراقية واسعة عام 2014 لم يكن فقدانًا للأرض فقط، بل سقوطًا في بنية الثقة النفسية المجتمعية، ما أحدث صدمة إدراكية كادت أن تعرّف العدو بأنه غير قابل للهزيمة. لكن المجتمع العراقي، عبر شرعية الفتوى، أعاد إنتاج المعنى الوطني للحماية والقتال، فصار قادرًا على استعادة دوره في صناعة الحدث بدل الاكتفاء برد الفعل.
المبحث الأول: فتوى المرجعية العليا ومنظومة الشرعية
أعطت فتوى الجهاد الكفائي ثلاث ضمانات متزامن:
1.شرعية الدفاع والتعبئة
2.إعادة بناء الدافع النفسي للمقاتل والمواطن
3.بناء سرد وطني جامع يصون وحدة المجتمع ويعالج شروخ السياسة
المبحث الثاني: الحشد الشعبي كقوة غير نظامية ناجحة
تميّز الحشد الشعبي بخصائص نوعية
-التعبئة السريعة والاستجابة اللحظية دون قيود بيروقراطية معقّدة
-القتال بمعنى عقائدي وطني جمعي
-اعتماد التكتيكات المرنة للحروب غير النظامية
-الشرعية المتولدة من تضحية الأفراد والجماعات قبل منطق السياسة
-وقد قُوْنِن لاحقًا ليكون تشكيلًا رسميًا ضمن الدولة العراقية
المبحث الثالث: التحوّل السيكولوجي – من صدمة السقوط إلى وعي المنتصر
وفقًا للدراسات النفسية للحروب، فإن لحظة الانهيار العسكري عام 2014 أحدثت صدمة “فقدان القابلية للردع”، لكن الاستجابة الشعبية والفتوى أحدثتا انعكاسًا إدراكيًا نفسيًا تمثّل في
-الانتقال من الخوف إلى الثقة
-الانتقال من التفكك إلى التوحّد
-الانتقال من الانفعال الدفاعي إلى الفعل الهجومي
-صناعة بطل جمعي يمثل هوية الحماية والمقاومة، لا بطلًا فرديًا يُستَهلَك إعلاميًا ثم يختفي
المبحث الرابع: فلسفة النصر داخل المجتمع العراقي – متعة الأمان واكتشاف صمام الأمان
النصر العراقي لم يكن احتفالًا جغرافيًا عسكريًا فحسب، بل نصرًا اجتماعيًا نفسيًا عميقًا، حمل مؤشرات:
1.متعة الأمان بعد الرعب: حيث عاد المواطن إلى الحياة اليومية دون هاجس التهديد
2.اكتشاف صمام الأمان: الذي تمثّل بثقة المجتمع بالمؤسسة الدينية والوطنية وبالمقاتل الذي يحمل هويته ويمنحه الردع
3.الالتفاف حول الحامي الحقيقي: بوصفه ضمانة أخلاقية ونفسية قبل أن يكون قوة عسكرية
4. إن الأمان لم يعد مجرد حالة، بل أصبح جزءًا من فلسفة الاجتماع العراقي بعد الحرب
المبحث الخامس: معركة ما بعد 2017 – الأصوات المضادة للشرعية والقوة
بعد هزيمة داعش، بدأت معركة جديدة تستهدف السرديات
-تصوير الحشد بأنه تشكيل طائفي رغم أنه وُلِد بفتوى وطنية
-التشكيك بقانونه ودوره المؤسسي
-محاولة نزع الشرعية عبر ربط التأثير بدولة الجوار إيران
-استغلال الفجوات السياسية والإعلامية لبناء “صورة التبعية” لا “صورة التضحية
المبحث السادس: تفكيك سردية التبعية لإيران – قراءة في سياق الدعم مقابل التبعية
الحروب غير النظامية مليئة بعلاقات الدعم المتقاطع، لكن
-الدعم لا يعني التبعية المؤسسية
-العلاقة العقائدية أو اللوجستية لا تلغي القرار الوطني
-الصراع الحقيقي لم يكن توصيفًا للهوية، بل محاولات لتفكيك معناها في الوعي الجمعي
لقد كانت هذه السرديات ظلمًا وجورًا، لأن الهدف أعمق: استهداف القوة التي تحمل معنى شعبها.
المبحث السابع: الضغط الأمريكي والإقليمي – سياسات التفكيك والاحتواء
مارست بعض القوى الدولية ضغوطًا سياسية فكرية تهدف إلى
-دمج الحشد بصيغة قد تفقده طابعه الشعبي
-تقليص تأثيره المجتمعي تحت رؤية أمنية سياسية محضة
-الدفع باتجاه تفكيك السردية عبر العقوبات والتصنيف الإعلامي
ويعود السبب ليس لاتهامات الانتماء، بل لأن القوة العقائدية ذات الشرعية الشعبية لا يمكن التحكم بنتائجها سياسيًا بسهولة.
المبحث الثامن: تخوف دول الجوار من الحشد
خشي بعض الدول المجاورة من وجود الحشد ليس لأنه قوة عسكرية فحسب، بل لأنه
1.نموذج تعبئة عقائدية ناجح ضد الإرهاب
2.قوة شعبية يصعب احتواؤها ضمن صفقة
3.تشكيل يُنتِج الردع من داخله لا من منطق السياسة الإقليمية
4.ظاهرة تمنح المجتمع العراقي وعي الحماية واستقلال القرار
المبحث التاسع: أسباب استمرار المحاولات لإنهاء وجود الحشد حتى الآن
يمكن تلخيصها
1.لأنه هزم داعش نفسيًا قبل أن يهزمه عسكريًا
2.لأنه وحّد الجمهور بمنطق المنتصر
3.لأنه قوة شرعية لا صفقة سياسية
4.لأنه ليس تابعًا للخوف السياسي، بل تابع لشرعية الفتوى والتضحية الشعبية
المبحث العاشر: مقولة الباحث – تأسيس خطاب المنتصر الواعي
يضع الكاتب والمفكر عباس النوري العراقي قاعدة التحوّل السردي الفلسفي والاجتماعي في هذا البحث ضمن مقولته الفكرية
لابد تغيير الخطاب من متمسكن، متمسك بمظلومية الماضي، إلى خطاب المنتصر الواعي للسياسات المضادة لوحدة وقوة الشعب العراقي
هذه المقولة لا تحمل ملامح انفعالية بل رؤية فلسفية انتقالية تؤسس لـ
1.وعي المنتصر بدل سرد الضحية
2.وحدة الجمهور بدل خطاب الانقسام
3.إدراك السياسات المضادة بدل الانشغال بالماضي فقط
المبحث الحادي عشر: أثر الانتصار العراقي على العالم
هزيمة داعش في العراق أدت إلى
انهيار مشروع “الدولة الإرهابية العابرة للحدود
تسريع انكساره في سوريا
تقليص التهديد للأمن العالمي في أوروبا وأمريكا
لقد لم يحوّل العراق النصر إلى حدث محلي فقط، بل إلى حائط صدٍّ إقليمي ودولي أسهم بحماية المنطقة والعالم من التمدد الإرهابي.
الخاتمة
كان الانتصار على داعش نصرًا مركّبًا
عسكريًا: بتحرير الأرض
نفسيًا: بتحرير الوعي من الخوف
فلسفيًا: بتحوّل الدولة من ضحية إلى منتصر
مجتمعيًا: عبر الالتفاف حول صمام الأمان
عالميًا: عبر إسقاط مشروع الدولة الإرهابية
أما اليوم فالمعركة الأساسية
معركة خطاب ووعي لحماية قوة المجتمع ووحدة هويته الوطنية
التوصيات
1.تعزيز خطاب المنتصر الوطني
2.حماية سردية الوحدة المجتمعية
3.تحصين المجتمع ضد السرديات المضادة
4.تثبيت الحشد كقيمة دفاع وطني مؤسساتي
5.دراسة التجربة العراقية عالميًا كنموذج تعبئة شرعية ناجح ضد الإرهاب
المراجع
1. Michael Knights, 2016 — *The Future of Iraq’s Armed Forces*, Washington Institute for Near East Policy.
2. Henry Tajfel, 1979 — *Social Identity Theory*.
3. Victor Frankl, 1946 — *Man’s Search for Meaning*, Beacon Press.
4. Thomas Schelling, 1966 — *Arms and Influence*, Yale University Press.
5. Ibraheem Al‑Marashi, 2018 — *Media Narratives in the Fight Against ISIS*.
6. Abbas Al‑Nouri, 2025 — Primary author philosophical and psychological insight.


