المكاشفة مع الله تبارك وتعالى …ومع الذات

المكاشفة مع الله تبارك وتعالى ...ومع الذات
تبدأ المكاشفة الصادقة حين يعترف الإنسان بضعفه أمام الله، فيتحرر من الأقنعة والتبرير. ومن صدق مع خالقه استطاع مواجهة ذاته، ومحاسبة نفسه، واكتشاف عيوبه، والسير نحو التوبة والوعي والسلام الداخلي...

حين يخطئ الإنسان… ويثقل قلبه بذنب أو تقصير، فإنه غالبًا لا يجد ملجأً أصدق من لحظة يقف فيها بين يدي الله سبحانه وتعالى، بعيدًا عن ضجيج العالم، وصورته أمام الناس، والأقنعة التي اعتاد ارتداءها. هناك فقط، يسقط الكثير من التمثيل، ويصبح الإنسان أكثر وضوحًا مع الخالق المتعال مما هو مع أي أحد آخر.

فهو لا يقول لله: أنا كامل، ولا يحاول أن يبدو بلا خطأ، بل يعترف: ضعفت، وأخطأت، وظلمت نفسي، وأحتاج رحمتك.

وربما هنا تكمن إحدى أعظم لحظات الصدق في حياة الإنسان.

لأن الإنسان حين يدرك أن الله يعلم سره وعلانيته، يعلم خوفه، وتناقضه، وما يخفيه حتى عن أقرب الناس إليه… يصبح الاعتراف أكثر سهولة من التمثيل. فلا معنى للخداع أمام من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

القرآن الكريم يصور هذا المعنى العميق في قول آدم وحواء عليهما السلام:

﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾

القرآن الكريم

لم يبدأ الاعتراف: بتبرير، ولا بإلقاء اللوم، ولا بصناعة الأعذار.

بل بالمكاشفة.

وهنا يبرز سؤال مهم جدًا:

إذا كان الإنسان يملك القدرة على أن يكون صريحًا مع الله بهذا الشكل… فهل يستطيع أن يكون صريحًا مع نفسه أيضًا؟

أتصور أن الإنسان الذي يتعلم: الاعتراف، والتوبة، ومراجعة النفس أمام الله…

يكون أكثر قدرة مع الوقت على: كشف ذاته، وفهم نقاط ضعفه، ومواجهة عيوبه دون هروب دائم.

لأن أصل كثير من الأزمات النفسية ليس الخطأ نفسه فقط، بل رفض الاعتراف به. بعض الناس ينهكون أنفسهم في الدفاع عن صورة مثالية، حتى يتحولوا إلى غرباء عن حقيقتهم الداخلية.

أما الإنسان الذي يقول: “نعم… هنا أخطأت.”

فقد بدأ أول خطوة نحو التغيير.

ولهذا ربما كانت العلاقة الصادقة مع الله من أقوى وسائل مقاومة التزييف.

فالإنسان الذي يعتاد: محاسبة نفسه، وطلب المغفرة، والاعتراف بتقصيره، يصبح أقل حاجة: للتمثيل، وأقل تعلقًا بالأقنعة، وأكثر قدرة على رؤية نفسه بوضوح.

الإمام علي بن أبي طالب يقول:

“حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.”

وربما لا تعني المحاسبة هنا: جلد الذات فقط، بل الوعي.

أن يتوقف الإنسان قليلًا ويسأل: لماذا فعلت ذلك؟ ما الذي يقودني؟ أين أضعف؟ وأين أخدع نفسي؟

لأن الإنسان الذي لا يراجع نفسه، قد يعيش عمره كاملًا داخل شخصية صنعها الخوف، أو العادة، أو رغبة القبول الاجتماعي، حتى ينسى حقيقته الأصلية.

وربما لهذا يشعر بعض الناس بعد الدعاء الصادق براحة عجيبة، رغم أن مشكلاتهم لم تنتهِ بعد. لأنهم للحظة توقفوا عن مقاومة الحقيقة، وتوقفوا عن الهروب من ذواتهم.

وفي عصر امتلأ: بالصور المصطنعة، والشخصيات المزيفة، والادعاء المستمر…

قد تصبح القدرة على الصراحة مع الله، ثم مع النفس، نوعًا نادرًا من الشجاعة والوعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *