لم يعد الجهل في زمننا مجرد فراغ معرفي يمكن ملؤه بالمعلومة، ولا حالة طبيعية يمكن تفسيرها بندرة المصادر أو صعوبة الوصول إليها، بل إن ما يتكشف—خصوصًا من خلال النقاشات المفتوحة التي تتكرر يوميًا—يوحي بأننا أمام تحوّل أعمق، حيث لم يعد الجهل نتيجة فقط، بل أصبح في بعض صوره موقفًا، وفي حالات أخرى ممارسة تُدار.
فالإنسان اليوم لا يعيش نقصًا في المعلومات بقدر ما يعيش وفرة غير مسبوقة، ومع ذلك—كما يبدو لي على الأقل—لا يقود هذا التدفق دائمًا إلى وضوح أكبر، بل قد ينتج عنه نوع من الانتقاء، حيث يميل الفرد إلى ما ينسجم مع ما يعتقده مسبقًا، ويتجنب ما قد يربك هذا الانسجام، وهنا لا يكون الجهل غيابًا بقدر ما يكون إعادة ترتيب لما يُقبل وما يُرفض.
وقد حصل معي أكثر من مرة أن يبدأ النقاش بسؤال بسيط، ثم لا يلبث أن يتحول إلى حالة من الدفاع، وكأن الفكرة لم تعد موضوعًا للنقاش، بل امتدادًا لصاحبها، وهنا يتداخل الرأي مع الهوية، ويصبح التراجع أصعب من الخطأ نفسه.
ومن خلال هذه الملاحظات، يظهر نمط لا يمكن تفسيره فقط بسوء الفهم، ولا بالخطأ العابر، بل يتجاوز ذلك إلى حالة يُعاد فيها إنتاج الفكرة—حتى وإن كانت ضعيفة—والدفاع عنها، ليس لأنها صائبة بالضرورة، بل لأنها أصبحت جزءًا من تمثّل صاحبها لذاته.
ولعل ما سأطرحه هنا ليس تعريفًا نهائيًا، بل محاولة أولى للتقريب:
الجهل ذو البعد الثلاثي
ليس بوصفه حكمًا، بل أداة للفهم.
ويمكن تفكيكه—بصورة أولية—إلى ثلاثة أبعاد متداخلة:
البعد المعرفي:
حيث يكون الخلل في المعلومة نفسها، إما نقصًا أو تشويهًا أو انتقاءً جزئيًا لها.
البعد الإدراكي:
حيث لا يدرك الإنسان حدود معرفته، أو يخلط بين ما يعتقده وما هو قابل للتحقق، فيتعامل مع الرأي بوصفه حقيقة.
البعد السلوكي:
وهو الأبعد أثرًا، حيث لا يتوقف الأمر عند الخطأ، بل يتجلى في الإصرار على إعادة إنتاجه والدفاع عنه، حتى يتحول إلى موقف يُدار ويُقدَّم.
وهنا لا يعود الجهل حالة يمكن تصحيحها بسهولة، بل يتحول إلى نمط، يجد ما يغذّيه من بيئة تسمح له بالاستمرار، ومن لغة تمنحه حضورًا، ومن تكرار يحوله إلى ما يشبه “المألوف”.
ولعل ما يزيد المسألة تعقيدًا—كما أشار بعض الأساتذة في نقاشاتهم القيّمة—أن المشكلة لا تقف عند حدود المعرفة، بل تمتد إلى طريقة التفكير نفسها، فالعقل الذي يرفض مراجعة أدواته، أو يكتفي بما ينسجم مع قناعاته، قد لا تغيره وفرة المعلومات، بل قد تمنحه فقط مواد إضافية لتأكيد ما يعتقده.
ومن هنا، يتحول الحوار—في كثير من الأحيان—من مساحة للفهم إلى ساحة لإثبات المواقف، ومن جسر للتبادل إلى منصة للاستعراض، حيث لا يكون الهدف الوصول، بل الغلبة.
وقد يظهر ذلك في مواقف بسيطة تتكرر يوميًا:
نقاش يبدأ بسؤال، ثم يتحول إلى جدل، ثم ينتهي بانتصار طرف في نظر نفسه، دون أن يتغير شيء في فهمه أو فهم الآخر.
وهنا يبرز السؤال:
هل المشكلة في نقص المعرفة؟
أم في “المسطرة” التي نقيس بها هذه المعرفة؟
لأن تصحيح المعلومة قد لا يكون كافيًا،
إذا لم تُراجع الطريقة التي يتم بها استقبالها.
ولا أخفي أنني وجدت نفسي—في بعض الأحيان—أقع في شيء من هذا، قبل أن أتنبه له، وهو ما يجعل المسألة أقرب إلى مراجعة ذاتية، لا مجرد توصيف للآخرين.
ومن هنا، فإن مواجهة هذا النمط لا تكون فقط بإضافة معلومات،
بل بإعادة النظر في:
كيفية التفكير
وطبيعة الحوار
والاستعداد لمراجعة الذات
لأن أخطر ما في الجهل،
ليس أن لا نعلم،
بل أن نستخدم ما لا نعلم… كأنه معرفة.
ولا يسعني هنا إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير للأساتذة الذين أثروا هذا الطرح بمداخلاتهم العميقة، والتي أسهمت في توسيع زاوية النظر، ورفعت من مستوى النقاش، وجعلت الفكرة أقرب إلى التفكيك منها إلى الوصف.
هذا الطرح يأتي ضمن مشروع فكري أعمل عليه،
في كتاب بعنوان:
“الهندسة الخفية للوعي”
(قيد الطباعة والنشر)
محاولة لا تدّعي الكمال،
بل تسعى إلى فتح الأسئلة… قبل تقديم الإجابات.


