| في السنوات التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران، وفي خضمّ حماسي لها، بدأت تتكوّن في أعماقي أسئلة لم أكن أملك الجرأة على التلفّظ بها أو حتى الاعتراف بها أمام نفسي في البداية. كنت أظن أنّ الطريق واضح، وأنّ شعار “إقامة الدولة الإسلامية” هو الهدف النهائي الذي لا هدف بعده. لكن التجربة العملية – لا الكتب ولا الدروس ولا الشعارات – هي التي كانت ستضعني أمام حقيقتين جوهريتين، ستلازمانني بقية حياتي الفكرية:
1.أنَّ مفهوم “الدولة الإسلامية” ليس مفهومًا جاهزًا مُنزَّلًا مُعرّفًا بحدود ومؤسسات وآليات. 2.وأنّ العراق ليس إيران، ولا مصر، ولا تركيا، ولا أي بلد آخر، بل له خصوصية حضارية لا يمكن نسخ أي نموذج فوقها. هذه الحقيقة لم تأتِ فجأة، بل تراكمت ببطء، على مراحل، وبتجارب وانكسارات وأسئلة. الدولة الإسلامية: من شعار إلى سؤالحين كنا في حزب الدعوة، كان شعار “إقامة الدولة الإسلامية” هو المحرّك والعقيدة السياسية، وكان واضحًا في نشرات الدعوة و”أسس الدولة الإسلامية” التي كتبها السيد محمد باقر الصدر. لكن ما لم نكن ننتبه له هو أنَّ هذه الأسس لم تكن برنامج دولة جاهزًا، بل كانت اجتهادًا فكريًا مشروطًا بزمان ومكان وظروف ووعي أمة. حين ذهبت إلى إيران بعد انتصار الثورة، دخلت إلى بلد كان يحاول أن يحوّل الاجتهاد إلى دولة. هناك رأيت:•الفقه يتحوّل إلى قانون، •الحوزة تتحوّل إلى مؤسسات، •والخطاب الديني يتحوّل إلى جهاز دولة. وهنا ظهر السؤال الذي هزني من الداخل:هل الدولة الإسلامية هي “نصّ” نطبقه، أم “إنسان” نعيد بناءه؟ وأدركت لاحقًا أنّ:•الإسلام يقدّم قيمًا ومبادئ، •لكن شكل الدولة وآلياتها وطرق إدارتها هي نتاج خبرة بشرية، لا دينية. ومع الزمن بدأت أفهم شيئًا أساسيًا:الإسلام ليس دولة… الإسلام رؤية تبني دولة، والدولة لا تكون إسلامية إلا بمقدار ما تكون عادلة، حرة، إنسانية، منتجة، ومنفتحة على العلم والحياة. ومن هنا بدأ التحول الهادئ، العميق، الطويل، الذي سيقودني بعد عقود إلى مفهوم الدولة الحضارية الحديثة. الخصوصية العراقيةومع الوقت بدأت أرى أن العراق لا يشبه إيران، ولا يشبه أي مجتمع آخر. •المجتمع العراقي متعدد بدرجة عالية •والتاريخ العراقي أعمق وأعقد •والعصب الاجتماعي العراقي لا يقبل سلطة واحدة مطلقة •والروح العراقية تثور ولكنها لا تنتظم •والعراقي حر من الداخل، لكنه بحاجة إلى مشروع يوحده لا يفرض عليه في إيران كان الإمام الخميني مركز وحدة الأمة. في العراق لم يكن ولن يكون هناك “شخص” يلعب هذا الدور. في العراق المرجعية توازن، ولا تحكم. وفي العراق الدولة لا يمكن أن تكون دولة فقيه ولا دولة حزب ولا دولة قائد ملهم. هنا أدركت شيئًا بالغ الأهمية:العراق يحتاج إلى دولة قيمية لا دولة دينية، دولة تستند إلى الوعي الحضاري لا إلى الصراع على الشرعية. هذا الاكتشاف لم يكن خروجًا على الماضي، بل كان تطورًا داخليًا من صميم التجربة نفسها. بين التجربة والرؤية حين أنظر الآن إلى تلك السنوات، أرى أنها كانت ضرورية، موجعة وضرورية. •لو لم أعش حلم الدولة الإسلامية… •ولو لم أختبر التجربة الإيرانية من الداخل… •ولو لم أُبعد عن العراق… •ولو لم أهاجر مرتين… لما كنت وصلت إلى الرؤية التي أؤمن بها اليوم: إن العراق لن يُبنى إلا بـ الدولة الحضارية الحديثة، دولة القيم الاثنتي عشرة العليا، دولة الإنسان لا دولة الأيديولوجيا، دولة العلم لا دولة الشعارات. الخاتمةهذه الحلقة ليست مراجعة للماضي، بل إعلان عن ولادة وعي جديد كان ينمو بصمت داخل ركام التجربة. لقد تغيّر السؤال:لم يعد السؤال:“كيف نقيم الدولة الإسلامية؟” أصبح السؤال: كيف نبني الدولة التي تنتمي إلى روح الإسلام ولا تكرر أخطاء التاريخ؟ |


