هل الرأسمالية مسؤولة عن الجوع والفقر؟

هل الرأسمالية مسؤولة عن الجوع والفقر؟
يبيّن التحليل أنّ الفقر كان السمة الغالبة قبل العصر الصناعي، وأن الرأسمالية أسهمت في خفضه عالمياً، بينما شهد القرن العشرون أسوأ المجاعات في أنظمة اشتراكية، ما يعكس أثر السياسات الاقتصادية المختلفة على الجوع والفقر....

بقلم: الدكتور راينير زيتلمان

ترجمة: الدكتور مهند طالب الحمدي

قبل ظهور الرأسمالية، كان معظم الناس في العالم مُحاصرين بفقرٍ مُدقع. في عام 1820، على سبيل المثال، كان حوالي 90% من سكان العالم يعيشون في حالة فقرٍ مطلق. اليوم، أصبحت هذه النسبة أقل من 10%. والأمر الأكثر لفتًا للانتباه هو أنه في العقود الأخيرة تسارع انخفاض الفقر بوتيرةٍ غير مسبوقة من أي فترةٍ سابقة من تاريخ البشرية. في عام 1981، كان معدل الفقر المطلق على مستوى العالم 42.7%؛ وبحلول عام 2000 انخفضت النسبة إلى 27.8%، وفي عام 2021 كانت أقل من 10%. هذا الاتجاه، الذي استمر لعقودٍ من الزمن، هو ما يهم حقًا. صحيح أن الفقر ارتفع مرةً أخرى على مدى عامي 2020 و2021، لكن هذا يرجع إلى حدٍ كبير إلى جائحة انتشار فايروس كورونا العالمية، التي أدت إلى تفاقم الوضع في البلدان التي كان فيها الفقر مرتفعًا نسبيًا بالفعل.

وكي نفهم قضية الفقر، لابد لنا أن ننظر إلى التاريخ. يعتقد العديد من الناس أن الرأسمالية هي السبب الجذري وراء الفقر والمجاعة في العالم. وهم يرسمون صورة غير واقعية تمامًا لعصر ما قبل الرأسمالية، والتي تشكلت من خلال الأعمال الكلاسيكية، بما في ذلك كتاب فريدريك إنجلز “حالة الطبقة العاملة في إنجلترا 1820-1895”. لقد ندد إنجلز بظروف العمل في ظل الرأسمالية المُبكرة بأشد العبارات قسوة، ورسم صورة مثالية للعمل من المنزل قبل أن يتسبب قدوم العمل الآلي والرأسمالية في تدمير أسلوب حياتهم الجميل حسب رأيه: “وهكذا عاش العمال حياةً مريحةً إلى حدٍ ما، وعاشوا حياةً صالحة وسلمية في كل تقوى واستقامة؛ وكان وضعهم المادي أفضل بكثير من وضع من أتى بعدهم. لم يكونوا في حاجة إلى الإفراط في العمل؛ ولم يفعلوا أكثر مما اختاروا القيام به، ومع ذلك كانوا يكسبون ما يحتاجون إليه. وكان لديهم وقتُ فراغٍ للقيام بعملٍ مليء بالحيوية في الحديقة أو الحقل، وهو العمل الذي كان في حد ذاته ترفيهًا لهم، وكان بإمكانهم المشاركة إلى جانب ذلك في نشاطات جيرانهم الترفيهية وفي ألعابهم، وكل هذه الألعاب، بما فيها البولينغ، والكريكيت، وكرة القدم، وما إلى ذلك، ساهمت في بناء صحتهم البدنية وقوتهم. كانوا في الغالب أشخاصًا أقوياء البنية، ولم يكن هناك اختلافٌ يُذكر في بنيتهم الجسدية عن بنية جيرانهم من الفلاحين. نشأ أطفالهم في هواء الريف النقي، وإذا تمكنوا من مساعدة والديهم في العمل، فإن ذلك كان يحدث بعض الأحيان فقط؛ بينما لم يكن هناك أي مشكلة في العمل لمدة ثماني أو اثنتي عشرة ساعة بالنسبة لهم”.

تاريخ الفقر قبل الرأسمالية

الصورة التي يتخيلها كثير من الناس عن الحياة قبل الرأسمالية مغايرة للحقيقة إلى حدٍ لا يمكن تحديده بسبب هذه التصورات الرومانسية وغيرها. فهم يتصورون أن الحياة قبل الرأسمالية تشبه رحلة إلى الريف في العصر الحديث. لذا، دعونا نُلقي نظرة أكثر موضوعية على عصر ما قبل الرأسمالية في السنوات والقرون التي سبقت عام 1820. يقول الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد الأستاذ انغوس ديتون في كتابه “الصحوة الكبرى”: “كان العمال الصغار في السن في القرن الثامن عشر واقعين فعليًا في فخٍ غذائي؛ لم يتمكنوا من كسب الكثير من المال لأنهم كانوا ضعفاء جسديًا للغاية، ولم يتمكنوا من تناول ما يكفي من الطعام لأنهم لم يكن لديهم المال لشراء الطعام من دون عمل.” يُشيد بعض الناس بالظروف المتناغمة قبل الرأسمالية عندما كانت الحياة أبطأ كثيرًا، لكن هذا التباطؤ كان نتيجة في الأساس للضعف البدني بسبب سوء التغذية الدائم. تُشير التقديرات إلى أنه قبل 200 عام، كان نحو 20% من سكان إنجلترا وفرنسا غير قادرين على العمل على الإطلاق، وذلك ببساطة لأنهم كانوا ضعفاء للغاية من الناحية الجسدية بسبب سوء التغذية.

الاشتراكية والمجاعة الكبرى

لقد حدثت أعظم المجاعات التي صنعها الإنسان خلال المئة عام الماضية في ظل الاشتراكية. ففي أعقاب الثورة البلشفية، أودت المجاعة الروسية في عامي 1921 و1922 بحياة خمسة ملايين إنسان، وفقاً للأرقام الرسمية الواردة في الموسوعة السوفييتية العظمى لعام 1927. وتشير أعلى التقديرات إلى أن عدد الموتى بسبب المجاعة بلغ من 10 إلى 14 مليون إنسان.

وبعد عقدٍ واحد فقط من الزمان، أدت سياسة جوزيف ستالين في بناء التعاونيات الزراعية و”تصفية الكولاك” إلى حدوث المجاعة الكبرى التالية، التي قتلت ما بين ستة وثمانية ملايين إنسان. وكانت “القفزة العظيمة للأمام” التي قادها ماو تسي دونغ من 1958 إلى 1962، والتي كانت “أعظم” تجربة اشتراكية في تاريخ البشرية، سبباً في موت 45 مليون إنسان في الصين.

عندما يستخدم الناس مصطلح “المجاعة”، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو أفريقيا. ولكن في القرن العشرين، مات 80% من ضحايا المجاعات في الصين والاتحاد السوفييتي. ومن المفاهيم الخاطئة الشائعة أن الناس عندما يفكرون في “الجوع والفقر” فإنهم يفكرون في الرأسمالية وليس الاشتراكية. الاشتراكية هي النظام الاقتصادي الذي كان مسؤولاً في واقع الأمر عن أعظم المجاعات في القرن العشرين.

*الدكتور راينير زيتلمان: مؤرخ ورجل أعمال ألماني ومؤلف كتاب قوة الرأسمالية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *