بقلم: راينير زيتلمانترجمة د. مهند طالب الحمدييُرسل انتخاب السيد زهران ممداني عمدةً لمدينة نيويورك رسالةً قويةً للعالم أجمع. ففي قلب الرأسمالية العالمية، فاز اشتراكيٌّ. غنى فرانك سيناترا ذات مرةٍ في أغنيته الشهيرة “نيويورك، نيويورك”: “إن استطعت القيام بذلك هناك، فإني سأستطيع القيام بذلك في أي مكان، الأمر يعود لكِ، يا نيويورك، نيويورك.” سيتردد صدى هذا التوجه الآن بشكلٍ مختلف لدى الاشتراكيين في كل مكان. فوز السيد زهران ممداني له أهمية عالمية. إذ إن من الممكن أن يصبح عمدة برلين العام المقبل شخص اشتراكي كذلك – وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن هذا الاحتمال وارد. عندما نشرتُ كتابي “قوة الرأسمالية” قبل سبع سنوات، اتهمني المنتقدون بمحاولة خداعهم. حاججوا بأنني أحارب عدوًا – المناهضين للرأسمالية – الذين تلاشت أيديولوجيتهم بالفعل. خالفتُهم الرأي، وفي ذلك الكتاب، وفي العديد من المقالات، توقعتُ نهضة قادمة من قبل حركات مناهضة الرأسمالية. صعود الاشتراكية بين الشبابسيشجع نجاح السيد زهران ممداني المناهضين للرأسمالية في جميع أنحاء العالم. خاض المرشح الاشتراكي حملته الانتخابية تحت شعار “لا ينبغي أن يكون هناك مليارديرات” – وهي فكرة لا يمكن أن توجد إلا في إطارٍ اشتراكي. ووفقًا لمجلة فوربس، لا يوجد مليارديرات إلا في كوبا وكوريا الشمالية وبعض أفقر دول العالم الأفريقية. حتى السويد، من حيث نسبة المليارديرات لعدد السكان، تضم مليارديرات أكثر من الولايات المتحدة. حذّر غاري كاسباروف، بطل العالم السابق في الشطرنج، والمعارض الروسي، والمنتقد الصريح لكل من الرئيسين بوتين وترامب، على منصة “إكس” (تويتر سابقًا) :“ستظهر أكبر مخاطر عمادة السيد زهران ممداني لمدينة نيويورك عندما لا تسير الأمور على ما يرام. تدفع طبيعة الشعبوية والاشتراكية إلى مضاعفة المخاطرة، لا إلى تصحيح المسار. إلى مزيدٍ من السيطرة الحكومية، ومزيدٍ من المركزية. الناس الأكثر فقرًا هم الأكثر عرضة لتهديدات ووعود الحكومة.” هذا هو الخطر بالتحديد. السيد زهران ممداني، كغيره من الاشتراكيين الذين سبقوه، سيفشل حتمًا في الوفاء بوعوده. لكنه وحلفاءه لن يلوموا أنفسهم. بدلًا من ذلك، سيوجهون أصابع الاتهام إلى الآخرين – وخاصة الرئيس دونالد ترامب، الذي سبق أن صرّح قائلًا: “إذا فاز المرشح الشيوعي زهران ممداني بانتخابات عمدة مدينة نيويورك، فمن المستبعد جدًا أن أساهم بأموال فيدرالية في ميزانية المدينة، باستثناء الحد الأدنى المطلوب، لبلدي الحبيب…” يحتاج الاشتراكيون دائمًا إلى كبش فداء لتبرير إخفاقاتهم. تُبرَّر فنزويلا كارثة اقتصادها، حيث فرَّ 30% من السكان منذ تولي الاشتراكيين السلطة عام 1999، ويعيش 80% ممن بقوا فيها الآن تحت خط الفقر، على أنها نتيجة العقوبات الأمريكية. ويُستخدَم التفسير نفسه في حالات كوبا وكوريا الشمالية – إذ يزعمون أن بؤسهم ما كان ليوجد لولا العقوبات الأمريكية. لذا، فإن تهديد الرئيس ترامب، وإن كان مفهومًا، إلا أنه غير حكيم استراتيجيًا. إن قطع أو تقليص التمويل الفيدرالي لنيويورك لن يُعطي الاشتراكيين سوى ذريعة مناسبة عندما تسوء الأمور. كان فوز السيد زهران ممداني مدفوعًا إلى حد كبير بتنامي المشاعر المناهضة للرأسمالية بين الشباب الأمريكي. أظهر استطلاعُ رأي أُجري قبل أسبوع من الانتخابات أن 64% من الناخبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا يعتزمون التصويت لزهران ممداني، مقارنةً بـ 50% ممن تتراوح أعمارهم بين 35 و49 عامًا، و33% فقط بين الناخبين الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا. (المصدر: استطلاع كوينيبياك) لقد قمت بإجراء استطلاع رأي في 34 دولة لقياس الصورة العالمية للرأسمالية. وكانت النتائج مذهلة: في ست دولٍ فقط من أصل 34 دولة، كانت النظرة إلى الرأسمالية إيجابية. في الولايات المتحدة، لا تزال الصورة العامة للرأسمالية إيجابية – لكن هذا الوضع يتغير بين الأجيال الشابة. أظهر استطلاع رأي أجرته شركة إبسوس موري قبل أربع سنوات أن معظم الأمريكيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا يرفضون الرأسمالية. وكما ذكرتُ في كتابي “دفاعًا عن الرأسمالية”: “تكمن أكبر الاختلافات في الولايات المتحدة بين الفئات العمرية. فشعور المرء تجاه الحرية الاقتصادية في الولايات المتحدة يعتمد على عمره أكثر من أي عامل اجتماعي ديموغرافي آخر (مثل الدخل أو الجنس أو التعليم). كلما كان المستجيبون الأمريكيون أصغر سنًا، زاد احتمال دعمهم للتدخل الحكومي في الاقتصاد”. وافق 21% فقط من المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا على أن “الرأسمالية قد لا تكون مثالية، لكنها لا تزال أفضل من جميع الأنظمة الاقتصادية الأخرى”، مقارنةً ب 51% ممن تزيد أعمارهم عن 60% عامًا. ولم يكن الانقسام بين الأجيال في المواقف تجاه الرأسمالية واضحًا في أي دولةٍ أخرى شملها الاستطلاع كما هو الحال في الولايات المتحدة. على الصعيد العالمي أيضًا، تتزايد معاداة الرأسمالية، لا سيما بين الشباب. في الانتخابات الفيدرالية الألمانية الأخيرة، تفوق حزب اليسار الاشتراكي ضمن صفوف الناخبين الشباب. قبل انهيار جمهورية ألمانيا الديمقراطية بفترة وجيزة، قال إريك هونيكر: “لا الثور ولا الحمار يستطيعان إيقاف الاشتراكية عن مسارها” (قي إشارة للحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة). على مؤيدي الرأسمالية أن يستيقظوا ويبذلوا قصارى جهدهم لضمان ألا يتبين أنه كان على حق في نهاية الأمر. *الدكتور راينر زيتلمان: مؤرخ ألماني وعالم اجتماع ومؤلف العديد من الكتب الأكثر مبيعًا. من بين كتبه “كيف تخرج الأمم من الفقر” و”قوة الرأسمالية” و”الاشتراكية القومية لهتلر”. نشر 29 كتابًا تُرجمت إلى أكثر من 30 لغة. في السنوات الأخيرة، كتب مقالاتٍ وكان ضيفًا في مقابلاتٍ على وسائل إعلام رائدة مثل وول ستريت جورنال، وفوربس، ونيوزويك، وديلي تلغراف، والتايمز، ولوموند، وكورييري ديلا سيرا، وفرانكفورتر ألماني تزيتونغ، ونويه تسورتشر تزيتونغ، والعديد من وسائل الإعلام في أمريكا اللاتينية وآسيا. |


