العراق بعد انتخابات 2025: القوى الشيعية بين التشظي والفرص

العراق بعد انتخابات 2025: القوى الشيعية بين التشظي والفرص
تكشف انتخابات 2025 تفكك الإطار التنسيقي وصعود تحالف السوداني، فيما يعجز المكوّن الشيعي عن توحيد قراره. وتُظهر المرحلة المقبلة حكومة تسوية هشة تُحكمها التوازنات الشيعية والسنية والكردية والضغوط الإقليمية والدولية....
أظهرت الانتخابات البرلمانية العراقية 2025 تحولا جوهريا في المشهد السياسي، تمثل في تفكك الإطار التنسيقي التقليدي وصعود ائتلاف “الإعمار والتنمية” بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كأكبر كتلة شيعية منفردة.

ورغم حصول الكتل الشيعية مجتمعة على أغلبية المقاعد، إلا أن تشظيها يحول دون تحويل هذه القوة العددية إلى قرار سياسي موحد.

وسيبقى تشكيل الحكومة المقبلة مرهونا بتوازنات معقدة، تتفاعل فيها ثلاثة أبعاد:

-التنافس الشيعي الداخلي.

– دور الكتل السنية والكردية كشركاء في القرار.

-وتأثير الضغوط الإقليمية والدولية التي تميل نحو الاستقرار أكثر من الهيمنة المطلقة.

•مفارقة القوة العاجزة

كانت الانتخابات التي جرت في 11 نوفمبر 2025 منعطفا حاسما في المسار السياسي للعراق.

فبعد إعلان النتائج الاولية، برزت مفارقة واضحة:

– القوى الشيعية تحتفظ بأغلبية المقاعد البرلمانية، لكنها من المستبعد ان تتوحد خلف مرشح واحد لرئاسة الوزراء.

– “الإطار التنسيقي” لم يعد الكتلة الجامعة، بل تحول إلى ساحة تنافس.

– بروز تحالف السوداني كقوة جديدة يعكس تحولا جزئيا في مزاج الناخب من الشرعية الأيديولوجية إلى شرعية الأداء والخدمات.

وهنا يأتي السؤال حول تداعيات هذا التشظي على عملية تشكيل الحكومة، في معادلة يمتزج فيها الداخلي بالإقليمي والدولي، وتكشف كيف يمكن للقوة الناعمة أن تعادل القوة الصلبة في المشهد السياسي العراقي.

•نتائج الانتخابات: تفكك الإطار التنسيقي وصعود نموذج الدولة

أظهرت النتائج الاولية للمفوضية العليا للانتخابات تحولا تاريخيا في خريطة القوى الشيعية.

فقد تصدر ائتلاف “الإعمار والتنمية” بقيادة السوداني المشهد، بحصوله على ما يقدّر بـ (46) مقعدا تقريبا، متجاوزا القوى التقليدية.

يمثل هذا الصعود انعكاسا مباشرا لتحول المزاج الشعبي نحو الواقعية السياسية، حيث أصبح المواطن أكثر ميلا لمن اختبره في الأداء التنفيذي الملموس، خصوصا في مشاريع الخدمات والبنى التحتية.

في المقابل، ظهر الإطار التنسيقي منقسما، حيث خاضت كياناته الرئيسية الانتخابات بقوائم منفصلة.

وحسب النتائج الأولية حصل تحالف “دولة القانون” بزعامة نوري المالكي على نحو 29 مقعدا، و”صادقون” بقيادة الشيخ قيس الخزعلي على حوالي 28 مقعدا، و”بدر” بزعامة هادي العامري على نحو 19 مقعدا.

هذا التفتت منع أي كتلة من منافسة وزن السوداني منفردة، مما يعكس تحولا في مصادر الشرعية داخل الوسط الشيعي، من الشرعية الأيديولوجية المرتبطة بمحور المقاومة إلى شرعية الأداء والخدمات.

•معادلة تشكيل الحكومة: ثلاث دوائر للتأثير

طريق السوداني نحو ولاية ثانية ليس مفروشا بالورود، فعملية تشكيل الحكومة متعلقة بتفاعل ثلاث دوائر تأثير رئيسية:

-الدائرة الشيعية الداخلية:

تكمن قوة السوداني في (قوته الناعمة)، المتمثلة في شرعيته الانتخابية المباشرة، وخطاب الدولة والخدمات، وقبوله الإقليمي والدولي الواسع.

إلا أن هذه القوة تواجه تحديا من القوى التقليدية داخل الإطار التنسيقي السابق التي قد تسعى لتكرار سيناريو “الثلث المعطل” لمنعه من تشكيل الحكومة إذا ما شعرت بتهميش دورها.

إضافة لذلك، التيار الصدري، رغم مقاطعته، يظل حاضرا كعامل ضغط من خلال تحذيراته من تعطيل العملية السياسية إذا لم تتحقق مطالبه (المعلنة) بمكافحة الفساد وحصر السلاح ووقف التدخلات الخارجية.

أما النجف الاشرف والمرجعية العليا، فتشكل عنصرا ضاغطا على أي تسوية شيعية محتملة، بما يفرض على الحكومة القادمة ألا تكون مصدر إزعاج لها.

•الدائرة العراقية والشركاء:

الكتل السنية والكردية هي عناصر توازن، وشريكة لا غنى عنها في أي معادلة قادمة.

فكتلة “تقدم” السنية بزعامة محمد الحلبوسي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، حصلت كل واحدة منهما على نحو 28-29 مقعد.

وأي محاولة لتشكيل الحكومة ستتطلب تفاوضا مباشرا ومبكرا معهم، بما في ذلك التوزيع الوزاري وتشريع القوانين وغيرها من المطالب.

•الدائرة الإقليمية والدولية:

الضغوط الخارجية دورها واضح على أي خيار داخلي، فالولايات المتحدة، عبر ممثليها، تدفع بأجندة واضحة تركز على ابعاد العراق عن ايران والمحور الشرقي.

وإيران، رغم دورها المحوري، تتبع سياسة ضبط النفس لتجنب الصدام مع واشنطن، مع الحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية.

•مؤشرات القوة الناعمة والتحالفات الاقتصادية

يمكن ملاحظة أن قوة السوداني لا تتعلق فقط بالأصوات الانتخابية، بل بمؤشرات ملموسة:

-تنفيذه لمشاريع خدمية ملموسة في محافظات الوسط والجنوب.

-حضوره في الاستطلاعات المتعلقة بثقة الجمهور بأداء رؤساء الوزراء مقارنة بمن سبقوه.

-شبكة علاقات اقتصادية متوازنة مع رجال الأعمال والتجار المحليين، مما عزز قدرته على تشكيل تحالفات مالية خلف الكواليس لدعم مرشح دون آخر.

•السيناريوهات والتوقعات

في ضوء هذه المعطيات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتشكيل الحكومة:

-سيناريو التسوية بقيادة السوداني:

وهو الأرجح، حيث سيقود السوداني تحالفا عريضا يوازن بين القوى التقليدية وقوى الدولة الجديدة، ويحظى بقبول دولي وإقليمي، مع ضمان استيعاب مخاوف شركائه في الإطار التنسيقي وكسب تأييد الكتل السنية والكردية.

-سيناريو الشخصية التوافقية:

في حال تعثرت ولاية السوداني، قد يظهر مرشح تسوية مثل محافظ البصرة أسعد العيداني، الذي يمتلك قاعدة محلية قوية في البصرة وعلاقات إقليمية متوازنة، مما يتيح له قبول الأطراف الشيعية والسنية والكردية المختلفة.

-سيناريو الجمود والفراغ السياسي:

في حال فشل التسوية، قد يحدث تأخير طويل في تشكيل الحكومة، بما يعمق الأزمات ويؤدي إلى حكومة تصريف أعمال مطولة، مما يضع العراق تحت ضغط زمني وسياسي هائل.

•اخيرا: مرحلة التوازنات الهشة

تكشف انتخابات 2025 أن العراق دخل مرحلة التوازن الهش، حيث يعمل النظام السياسي دون أن يتمكن أي طرف من فرض هيمنة كاملة، ما يجعل الأداء غير مستقر رغم استمرار النظام، وستظل القوى الشيعية المكون الأكبر، لكنها عاجزة عن الحكم منفردة.

والقوى السنية والكردية سترسخ شراكاتها في القرار، كما الفاعلون الإقليميون يميلون أكثر نحو الاستقرار مما يجعل تدخلهم محدودا في الوقت الراهن.

رئيس الوزراء القادم، سواء كان السوداني أو غيره، سيكون نتاج معادلة تسوية معقدة، تعكس تحول العراق من منطق المحاور الأيديولوجية إلى منطق المصالح المتشابكة.

النجاح في هذه المعادلة يتطلب حكمة استثنائية من النخبة الحاكمة لتجنب مخاطر الجمود، والبناء على نتائج الانتخابات التي عبرت عن رغبة جماهيرية واضحة في التغيير نحو الدولة والخدمات.

المصادر:

1-الجزيرة نت: “ائتلاف السوداني يتجاوز القوى التقليدية و3 معادلات إقليمية وداخلية تحكم مصيره” – 13 نوفمبر 2025.

2-يورونيوز: “لائحة رئيس الحكومة العراقية تحقق “فوزا كبيرا” في الانتخابات التشريعية” – 12 نوفمبر 2025.

3-المدن – Almodon: “العراق: مع إعلان نتائج الانتخابات من سيشكل الحكومة المقبلة” – 13 نوفمبر 2025.

4-(SBS Arabic) إجراءات جديدة وبطاقة بيومترية: كيف تسير التحضيرات” – 11 نوفمبر 2025.

5-مركز تقدم للسياسات: “العراق 2025: انتخابات ضمن معادلة النفوذ الأميركي – الإيراني” – تحليل استباقي قبل الانتخابات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *