تحليل نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025

تحليل نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2025
أظهرت انتخابات 2025 ارتفاعاً في المشاركة وتقدّم ائتلاف الإعمار والتنمية دون أغلبية، مع بروز تفوّق شيعي عبر الإطار التنسيقي، وتحوّل في توازن القوى بين المكوّنات، ما يفتح مرحلة تفاوض حكومي معقّدة داخلياً وإقليمياً...

أُجريت الانتخابات البرلمانيّة في العراق بتاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 (الموافق 20 آبان 1404 هـ.ش) لانتخاب 329 نائباً في مجلس النواب. وقد شهدت هذه الانتخابات مشاركة لافتة تجاوزت 12 مليون ناخب، أي ما يقارب 55–56% من أصل 21.4 مليون ناخب مسجَّل، وهو ما يعكس ارتفاعاً ملموساً في نسبة الإقبال بعد نحو عقدين من التراجع المستمر. وعلى الرغم من المقاطعة الواسعة التي أعلنها التيار الصدري، جاءت نسبة المشاركة أعلى من التوقعات، وحصل ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على عدد كبير من الأصوات. ومع الإعلان عن النتائج الأولية، بدأت سلسلة من التطورات السياسيّة، ليُفتتح بذلك مسار تشكيل الحكومة الجديدة على الساحة العراقيّة. وفيما يلي سيتم تناول تحليل شامل للتركيبة السكانيّة، وآليّات النظام الانتخابي، ونِسَب المشاركة، ونتائج الأحزاب والائتلافات، فضلاً عن استعراض أبرز التداعيات والاستحقاقات السياسيّة التي تعقب الانتخابات.

المؤهّلون للتصويت

أعلن آخر تعداد سكاني وطني في العراق في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 أن عدد سكّان البلاد بلغ نحو 46,118,793 نسمة، وهو رقم حظي بتأييد الأمم المتحدة وسائر الهيئات الدوليّة. ومع معدل نموّ سكاني سنوي يتراوح بين 2.1–2.3%، يُقدَّر أن يصل عدد سكان العراق في عام 2025 إلى ما يقارب 47 مليون نسمة. ويُقيم أكثر من 72% من سكان العراق في المدن، في حين يشكّل الشباب دون سنّ الخامسة والعشرين نحو نصف السكان (قرابة 23 مليون شخص)، ويبلغ متوسط العمر حوالي 20.8 سنة. ومن مجموع السكان، يشكّل الأفراد البالغون أكثر من 18 عاماً ما يقارب 30–32 مليون نسمة (أي 65–70% من إجمالي السكان)، وهم الفئة المؤهّلة قانونياً للتصويت. وقد أعلنت المفوضيّة العليا المستقلة للانتخابات أن عدد المسجَّلين في قاعدة بيانات الناخبين لهذه الدورة بلغ نحو 21.4 مليون شخص ممّن حصلوا على بطاقاتهم الانتخابية البايومتريّة، أي ما نسبته 65–70% من مجموع المؤهّلين. وتُشير البيانات إلى أن ما يقرب من 9 ملايين من المؤهّلين للتصويت (نحو 27% من الإجمالي) لم يقوموا بالتسجيل لأسباب مختلفة، مثل ضعف الثقة بالعملية السياسية أو وجود عوائق إدارية في إجراءات التسجيل. وبناءً على ذلك، فإن مشاركة 12 مليون ناخب في انتخابات 2025، عند احتسابها قياساً إلى مجموع المؤهّلين للتصويت (30–32 مليوناً)، تُقدَّر بنحو 38%.

معدّل مشاركة الناخبين

شهدت انتخابات عام 2025 ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة المشاركة مقارنةً بالدورة السابقة. فقد أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أن نحو 12,003,143 ناخباً من المسجَّلين أدلوا بأصواتهم، أي ما يعادل 55–56% من مجموع المسجَّلين في سجلّ الناخبين. وتمثّل هذه النسبة زيادة تتراوح بين 12–14% مقارنةً بالمشاركة الرسميّة في انتخابات 2021 التي بلغت حوالي 42–43%. أمّا إذا احتُسبت نسبة المشاركة بناءً على مجموع المؤهَّلين للتصويت (30–32 مليوناً)، فإنها تُقَدَّر بنحو 38%؛ أي إن 38 من كل 100 شخص مؤهّل قد شاركوا في الانتخابات. وعلى خلاف الاتجاه التنازلي الذي استمر قرابة عقدين (من حوالي 70% عام 2005 إلى 41% عام 2021)، سجّلت انتخابات 2025 زيادة واضحة في الإقبال. ويُبيّن الجدول التالي تطوّر معدّلات المشاركة في الانتخابات العراقية

منذ عام 2005:

  • 2005: 76%
  • 2009: 51%
  • 2010: 63%
  • 2013: 50%
  • 2014: 60%
  • 2018: 44%
  • 2021: 41%
  • 2025: 55%

وقد لوحظ في الساعات الأولى من يوم الاقتراع أن نسبة الإقبال كانت متدنية، إذ لم تتجاوز 23% حتى منتصف النهار، ما دفع الجهات المعنيّة إلى تكثيف الجهود لرفع نسبة المشاركة، لتستقر في نهاية اليوم عند حدود 55%.

الانتخابات الخاصة لعام 2025

أُجري الاقتراع المبكّر يوم الأحد 9 تشرين الثاني/نوفمبر لصالح قوات الأمن والجيش، البالغ عدد المؤهَّلين منهم نحو 1,314,000 شخص، وكذلك للنازحين الداخليّين المؤهَّلين للتصويت وعددهم حوالي 26,538 شخصاً. ووفقاً للتقارير الرسمية، شارك في التصويت الخاص لقوات الأمن 1,084,289 ناخباً، أي ما نسبته 82.52% من مجموع المؤهّلين، فيما شارك من النازحين 20,527 شخصاً، بنسبة 77.35%. أمّا الانتخابات العامة فقد جرت يوم الثلاثاء 11 تشرين الثاني/نوفمبر، حيث بدأت عملية الاقتراع عند الساعة السابعة صباحاً وانتهت تلقائياً عند الساعة السادسة مساءً، دون تمديد، نظراً لاعتماد صناديق الاقتراع الإلكترونية التي لا تسمح بإطالة مدة التصويت. وقد أُفيد بأن عملية الاقتراع سارت بهدوء وانتظام، مع تسجيل عدد محدود من الشكاوى البسيطة فقط.

نتائج الانتخابات

استناداً إلى النتائج شبه النهائيّة المعلنة بعد فرز 99.7% من المراكز، تصدّر ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني قائمة الفائزين. إذ حصد الائتلاف نحو 1,317,000 صوت (ما يعادل 10.97% من مجموع الأصوات). وجاء في المرتبة الثانية الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود بارزاني بنحو 1,099,000 صوت (9.15%). أما ائتلاف تقدّم بزعامة محمد الحلبوسي فحلّ ثالثاً بما يقارب 900 ألف صوت (7.87%). كما برز ضمن القوى الكبيرة كلّ من ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي (نحو 700 ألف صوت)، وقائمة صادقون بقيادة قيس الخزعلي. وقد انعكست هذه النتائج على توزيع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 329، وجاءت التوقعات الأولية على النحو الآتي:

  • ائتلاف الإعمار والتنمية (محمد شياع السوداني): 46 مقعداً
  • ائتلاف دولة القانون (نوري المالكي): 28 مقعداً
  • الحزب الديمقراطي الكردستاني (مسعود بارزاني): 26 مقعداً
  • ائتلاف تقدّم (محمد الحلبوسي): 28 مقعداً
  • قائمة صادقون (قيس الخزعلي): 26 مقعداً
  • منظمة بدر (هادي العامري): 19 مقعداً
  • ائتلاف قوى الدولة (عمار الحكيم وحيدر العبادي): 18 مقعداً
  • الاتحاد الوطني الكردستاني (بافل طالباني): 18 مقعداً

وحتى الآن، يظهر بوضوح أن «الإطار التنسيقي للقوى الشيعية» – الذي يضمّ التيارات الشيعية الرئيسة القريبة من محور المقاومة – قد حصل على أغلبية مريحة في البرلمان؛ إذ تشير تقديرات المقاعد إلى امتلاك التكتلات الشيعية أكثر من 185 مقعداً (أي ما يفوق 55% من مجموع مقاعد المجلس). في المقابل، حققت الأحزاب واللوائح السنيّة نتائج أضعف مقارنةً بالدورات السابقة، وفشل عدد من الشخصيات التقليدية والمعتدلة – مثل الحلبوسي والسامرائي – في الحفاظ على نفوذهم السابق. أمّا في إقليم كردستان، فقد جاءت النتائج متقاربة مع الدورات الماضية: فقد تصدّر الحزب الديمقراطي الكردستاني المشهد في الإقليم، فيما حلّ الاتحاد الوطني الكردستاني ثانياً بفارق ملحوظ، ولم تتمكن الأحزاب الصغيرة والحديثة من إحداث تغيّر جوهري في الخريطة السياسية. وسيحظى ممثلو الأقليات الدينية – من مسيحيين وإيزيديين وغيرهم – بمقاعدهم المخصّصة البالغ مجموعها 9 مقاعد. ومن الملاحظ أيضاً أن ائتلاف السوداني، بالرغم من حصوله على 1.317 مليون صوت وتصدّره نتائج الاقتراع، لم يحصد سوى 45–46 مقعداً، بينما كان الائتلاف الحكومي في البرلمان السابق يمتلك 54 مقعداً. ولهذا يرى بعض المراقبين أن ما جرى يُعدّ انتكاسة انتخابية نسبيّة للائتلاف الحاكم. أما من حيث تركيبة البرلمان، فقد أصبح الشيعة يمتلكون أكثر من نصف المقاعد، ما يمنح الإطار التنسيقي موقعاً متقدماً يسمح له ببدء مفاوضات تشكيل الحكومة دون الحاجة إلى تحالف واسع مع القوى السنيّة أو الكردية. ومع ذلك، تبقى معادلة التوازن القومي–المذهبي وتشكيل حكومة ائتلافيّة عابرة للهويات ضرورة لضمان الشرعية السياسية والاستقرار الوطني.

الصورة 1 – مقاعد الائتلافات المختلفة في مجلس النواب

نتائج الانتخابات في كلّ محافظة

 بغداد

تُعدّ بغداد أكبر وأهمّ محافظات العراق، ولها الدور الحاسم في رسم ملامح التوازن السياسي في البلاد، وغالباً ما تُحدّد نتائجها اتجاهات تشكيل الحكومة. في هذه الانتخابات، تصدّر ائتلاف «الإعمار والتنمية» المشهد بحصوله على أكثر من 411 ألف صوت، تلاه قائمة تقدّم ثم ائتلاف دولة القانون. ويجعل التركيب القومي والمذهبي المعقّد للعاصمة—الذي يضمّ عرباً شيعة وسنة، وتركماناً، وأكراداً، وأقليات مسيحية—مرحلة ما بعد الانتخابات شديدة الحساسية. التحديات التي تواجه الحكومة المقبلة في بغداد تشمل: تلبية المطالب الخدمية الكبيرة، معالجة اختلالات البنية التحتية، السيطرة على الضغط السكاني، وضبط التوازن بين القوى السياسية المتنافسة. وتمثّل 71 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان ثقلاً مركزياً في تشكيل الكتلة الأكبر، ما يجعل الفوز في بغداد مكسباً وطنياً وليس محلياً فحسب. ويبقى التوفيق بين القوى الشيعية والسنّية والأقليات الاختبار السياسي الأهم في المرحلة المقبلة.

الأنبار

الأنبار، كبرى المحافظات السنّية، أكدت مرة أخرى دعمها لـ حزب تقدّم الذي تصدّر النتائج بأكثر من 212 ألف صوت. الطبيعة الاجتماعية للأنبار قائمة على القبائل العربية السنيّة، كما أن اتساع المحافظة قياساً إلى حجم سكانها يجعل إدارة الملف الأمني والخدمي وإعادة الإعمار تحدياً دائماً. وجاءت قائمة «الأنبار هويّتنا» ثانياً، ثم ائتلاف قمم ثالثاً. وتنبع أهمية الأنبار من دورها في تشكيل الموقف السنّي العام، ومن كونها مركزاً لممرّات التجارة الحيوية غرب العراق، إضافة إلى دورها الأمني. أبرز التحديات بعد الانتخابات: معالجة الانقسامات القبلية، والحفاظ على تماسك الجبهة السياسية، ومنع تأثير المال السياسي. ومع 15 مقعداً، تُعدّ الأنبار إحدى الركائز الأساسية في تحديد الوزن السياسي للسنّة في مفاوضات تشكيل الحكومة، كما أن فوز تقدّم يعيد تعزيز موقع الحلبوسي.

صلاح الدين

تُعدّ صلاح الدين محافظة استراتيجية في شمال العراق وواحدة من مراكز الثقل الديمغرافي للسنة العرب. وقد شهدت تنافساً شديداً بين تقدّم والإعمار والتنمية؛ إذ تقدّم الأول بنحو 82 ألف صوت، بينما حصل الثاني على 80 ألف صوت بفارق بسيط يعكس تعدّد الولاءات القبلية والسياسية في المحافظة. وعلى الرغم من أن غالبية سكان صلاح الدين من العرب السنة، إلا أن وجوداً شيعياً ملحوظاً في بعض مناطقها يجعل المشهد معقّداً. وتشمل التحديات ما بعد الانتخابات: ضبط التنافس القبلي، تسريع عودة النازحين، تثبيت الأمن، وتجاوز الآثار المتبقية من الحرب على داعش. وجاء ائتلاف عزم ثالثاً بنحو 75 ألف صوت. وتبرز أهمية المحافظة من موقعها بين بغداد والموصل ودورها في تشكيل الوزن السياسي للكتل السنّية وعلاقاتها مع الحكومة المركزية.

نينوى (نينوا)

نينوى إحدى أكثر المحافظات العراقية تنوعاً وحساسية، وقد أسفرت نتائج الانتخابات عن تصدّر الحزب الديمقراطي الكردستاني بأكثر من 189 ألف صوت، تلاه تقدّم ثم الإعمار والتنمية بفوارق واضحة. وتتكوّن نينوى من خليط معقّد من العرب والأكراد والتركمان والإيزيديين والمسيحيين، ما يجعل إدارتها بعد الانتخابات من أكثر الملفات صعوبة. فمدينة الموصل ذات غالبية عربية، بينما تخضع مناطق الشمال والشرق لنفوذ الأحزاب الكردية. التحديات تشمل: إدارة التوترات القومية، حسم الملفات الإدارية في المناطق المتنازع عليها، واستكمال مشاريع الإعمار بعد الدمار الذي خلّفته حقبة داعش. وتُعدّ نينوى بثقل مقاعدها أحد الميادين الحاسمة في رسم شكل التحالفات الوطنية المقبلة.

أربيل

أربيل، عاصمة إقليم كردستان، جدّدت موقعها كمعقل ثابت لـ الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) الذي حقق فوزاً كبيراً بحصوله على أكثر من 369 ألف صوت. وجاء الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) ثانياً، ثم تيار الموقف الوطني ثالثاً. المحافظة ذات غالبية كردية، وتتمتع بتراكم سكاني كبير في مدينة أربيل. وباعتبارها مركز القرار السياسي والاقتصادي في الإقليم، تتمتع أربيل بنفوذ قوي في المباحثات مع بغداد، خصوصاً حول ملفي النفط والميزانية. وتشمل التحديات المقبلة: إدارة التوترات المتكررة بين KDP وPUK، معالجة الضغوط الاقتصادية، وتعزيز التنسيق مع الحكومة المركزية. الفوز الساحق لـ KDP يعزز موقفه التفاوضي داخل الإقليم وعلى المستوى الاتحادي.

السليمانية

السليمانية، القاعدة التقليدية للـ PUK، حافظت على ولائها السياسي إذ تصدّر الاتحاد الوطني النتائج بأكثر من 240 ألف صوت. وتلاه الموقف الوطني ثم حركة الجيل الجديد. وتتميز السليمانية بميول سياسية مختلفة عن أربيل، فهي أقرب إلى التيار الإصلاحي وتمتلك قاعدة شعبية واسعة داعمة لـ PUK. وتواجه السليمانية تحديات بارزة، من بينها الخلاف السياسي والإداري مع أربيل، المشاكل المالية، وتصاعد المطالب الاجتماعية، إضافة إلى تنامي نفوذ الشباب والأحزاب الجديدة. وتُعدّ المحافظة ركناً أساسياً في السياسة الكردية وثقلاً كبيراً في مفاوضات الإقليم مع بغداد.

دهوك

تُعدّ دهوك أحد أهمّ معاقل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وقد أكدّت النتائج هذا الواقع؛ إذ حصل KDP على أكثر من 413 ألف صوت بفارق واسع جداً عن منافسيه. وجاء الاتحاد الإسلامي ثم الموقف الوطني في المراتب التالية. التركيب السكاني في دهوك يغلب عليه الطابع الكردي، كما أن مناطقها الحدودية مع تركيا لها أهمية أمنية وتجارية كبيرة. وتشمل التحديات بعد الانتخابات: تطوير الخدمات، تنظيم العلاقة مع بغداد بشأن الميزانية، وإدارة الملفات الحدودية. الفوز الكبير لـ KDP يعزز نفوذه داخل الإقليم ويرفع من قوته التفاوضية على المستوى الوطني.

البصرة

البصرة، المركز الاقتصادي والبوابة النفطية للعراق، تقدم مشهداً انتخابياً مختلفاً عن بقية المحافظات. وقد تصدّر تحالف تصميم النتائج بنحو 173 ألف صوت، تلاه حركة الصادقون ثم الإعمار والتنمية. تتميز البصرة بأغلبية عربية شيعية وتراكم سكاني كبير في مركزها الحضري، ما يضع خدمات الماء والكهرباء والوظائف تحت ضغط شديد. وتشمل التحديات بعد الانتخابات: إدارة الثروة النفطية، معالجة الاختلالات التنموية، وتهدئة الاحتجاجات المتكررة للمواطنين. وتؤثر نتائج البصرة بشكل مباشر على توازن القوى الشيعية في البرلمان وعلى شكل الحكومة المقبلة.

ذي قار

شهدت ذي قار—إحدى أبرز محافظات جنوب العراق—فوز الإعمار والتنمية بأكثر من 80 ألف صوت، تلتها دولة القانون ثم الصادقون. المحافظة ذات أغلبية عربية شيعية وكانت خلال السنوات الأخيرة مركزاً للحراك الشعبي، ولذلك تحمل نتائجها طابعاً تغييرياً وخدماتياً واضحاً. أبرز التحديات تشمل: تحسين البنية التحتية، مواجهة البطالة، وتطوير الخدمات العامة. ويعكس تقدم فهرس السوداني ثقة نسبية بقدرة الحكومة على تحسين الوضع الاقتصادي. ذي قار، بثقلها السكني، عنصر مهم في رسم التوازن السياسي للجنوب.

واسط

واسط، إحدى محافظات الوسط ذات الأغلبية الشيعية، شهدت فوز القائمة المحلية «واسط الأجمل بالخدمات» بأكثر من 105 آلاف صوت، وهو ما يعكس توجه السكان نحو الخيارات المحلية ذات الأولويات الخدمية. تلتها دولة القانون ثم الإعمار والتنمية. وتتوزع الكثافة السكانية بين المناطق الحضرية والريفية، خصوصاً حول الكوت وبدرة. وتشمل التحديات المقبلة: دعم الزراعة، تحسين الخدمات، وتطوير البنية الأساسية. وتُظهر نتائج واسط انخفاض الاعتماد على الأحزاب الكبرى وارتفاع الثقة بالقوائم المحلية. وللمحافظة تأثير متوسط لكنه مهمّ في ترجيح الكتلة الشيعية داخل البرلمان.

الصورة 2 – جدول نسبة المشاركة في كلّ محافظة

مسار تشكيل الحكومة وتداعياته

عقب الإعلان عن النتائج الأولية، أعلن القادة السياسيون بدء المشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة. ووفقاً للدستور، يتعيّن على مجلس النواب الجديد أن يبدأ أعماله في غضون 45 يوماً من انتهاء الدورة السابقة، وأن تتشكل الحكومة قبل انطلاق الدورة التشريعية الجديدة في 8 كانون الثاني/يناير 2026. ويُنظر إلى محمد شياع السوداني، بوصفه المرشح الأبرز للائتلاف الفائز، على أنه صاحب الأولوية في مسار تشكيل الحكومة. ومن المنتظر أن يجري السوداني خلال الأيام المقبلة سلسلة لقاءات مع شخصيات كردية مؤثرة—وفي مقدمتهم مسرور بارزاني—إلى جانب ممثلي القوى السنّية، بهدف تأمين الدعم اللازم لتكليفه برئاسة الوزراء. وقد أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني بدء اتصالات مكثفة للتنسيق بشأن التشكيلة الوزارية المقبلة، ومن المقرّر أن يزور السوداني أربيل قريباً. وتشير التقارير إلى أنه سيجتمع الثلاثاء القادم مع مسرور بارزاني لبحث ملف الحكومة المقبلة والقضايا الاقتصادية الخاصة بالإقليم.

داخلياً، ما تزال تلبية المطالب الإصلاحية ومكافحة الفساد من أبرز أولويات الشارع العراقي منذ احتجاجات عام 2019. وقد أظهرت القوى الشيعية الأساسية رغبة في الحفاظ على التماسك والاستقرار، لا سيما الإطار التنسيقي الذي يمتلك أكثر من مئة مقعد مع احتساب القوى المتحالفة معه، الأمر الذي يمنحه دوراً محورياً في المفاوضات السياسية. ورغم ذلك، لا يزال موقف التيارات الشيعية التي قاطعت الانتخابات—خصوصاً التيار الصدري—غير واضح، وما إذا كانت ستتخذ موقفاً معارضاً أو ستنخرط مجدداً في العملية السياسية.

لكن الحكومة الجديدة ستكون مضطرة للتعامل مع مختلف القوى الداخلية، إضافة إلى مراعاة تأثيرات البيئة الإقليمية. على الصعيد الدولي، جاءت الانتخابات العراقية في مرحلة حسّاسة؛ إذ لا يزال العراق يسعى إلى تحقيق توازن بين كلٍّ من الولايات المتحدة وإيران، ويتعيّن على الحكومة الجديدة إدارة هذه العلاقة الدقيقة.

ويرى مراقبون إقليميون أن الانتخابات—رغم الضغوط الخارجية—أظهرت قدراً من المشاركة وتماسكاً في الصفّ الشيعي. كما أن الولايات المتحدة، بعد انحسار حدّة أزمة غزة، بدأت تركّز اهتماماً أكبر على الملف العراقي، ما يعني أن الحكومة المقبلة ستكون متأثرة بدرجة واضحة بالتفاعلات الإقليمية والدولية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *