| يوم أمس، رفعت العقوبات عن الرئيس السوري أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) ووزير الداخلية أنس خطاب من قبل أربع عشرة دولة، تتقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا، في خطوةٍ مثيرة للجدل تُظهر بوضوح التحولات الجذرية في منطق السياسة الدولية ومقاييسها المتقلّبة.
في المقابل، امتنعت الصين عن التصويت، احتجاجاً على ما تعدّه ازدواجية في المعايير، وبسبب ملف مقاتلي التركستان الإيغور المنتمين لحركة تركستان الإسلامية (ETIM)، التي تعتبرها بكين تهديداً مباشراً لأمنها القومي. ما كان يُصنّف قبل أعوامٍ في الخطاب الأمريكي تحت خانة “الإرهاب الدولي”، تحوّل اليوم إلى رجل دولة تُرفع عنه القيود وتُفتح أمامه القنوات الدبلوماسية. إنها مفارقة تختصر بعمق منهج الغرب في تدوير الأزمات والشخصيات بما يخدم مصالحه، لا مبادئه. فالرجل الذي كانت واشنطن قد خصصت مكافأة لمن يدلي بمعلومات عنه، أصبح اليوم رئيساً شرعياً معترفاً به ضمن ترتيبات دولية جديدة، تمهّد لإعادة تشكيل المشهد السوري. رغم أن القرار جرى تمريره في مجلس الأمن بحجة “إعادة إدماج السلطة الجديدة في المسار السياسي السوري”، إلا أن التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كشفت الجانب الحقيقي من القصة حين قال: وهذا يعني أن القرار نابع من تفاهم ثلاثي غير معلن بين أنقرة وتل أبيب وواشنطن، هدفه الأساس تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا ومنع تشكّل ممر استراتيجي يصل بين طهران وبيروت عبر الأراضي السورية. إن ما يجري اليوم ليس عملية إصلاح سياسي أو مصالحة وطنية كما يُروّج له، بل هو إعادة إنتاج للسلطة بأدوات جديدة تخدم توازنات الميدان الحالية. فالمعارض المسلح السابق أصبح شريكاً في السلطة، بينما أُقصيت القوى الوطنية التي كانت تنادي بدولة مدنية موحدة. إنها معادلة تعكس استخدام الإرهاب كأداةٍ لإعادة هندسة الشرق الأوسط، لا كخطرٍ يجب القضاء عليه. امتناع الصين عن التصويت لم يكن موقفًا عابراً، بل رسالة واضحة بأن المعايير الغربية في تصنيف الإرهاب انتقائية بالكامل. فبينما تعتبر بكين مقاتلي تركستان تهديداً إرهابياً، ترى واشنطن وحلفاؤها في بعضهم “معارضة مشروعة”. وهكذا يتحول الإرهاب من مفهومٍ أمني إلى أداة سياسية متحركة تُستخدم بحسب المصالح، لا المبادئ. ما حدث يؤكد أن العالم يعيش مرحلة انحلال في الثوابت الأخلاقية للسياسة الدولية، حيث يمكن غسل سجل أي شخصية بمجرد أن تتقاطع مصالحها مع القوى الكبرى. إن رفع العقوبات عن الجولاني ليس نهاية مرحلة الإرهاب، بل بداية لمرحلة أخطر عنوانها “تطبيع الفوضى”، حيث يُمنح القتلة شرعية الحكم إذا ما توافقوا مع إرادة النظام الدولي. |


