الدينار والدولار: من يقرر مصير اقتصاد العراق؟
يعاني الدينار العراقي من ضعف مزمن يعكس هشاشة البنية الاقتصادية القائمة على الريع النفطي، حيث تعتمد الدولة على عائدات النفط لتمويل أكثر من 90% من الموازنة العامة، بينما يغيب الإنتاج المحلي القادر على توليد العملة الأجنبية واستيعاب اليد العاملة.
إنّ إنعاش الدينار لا يتحقق بقرارات نقدية شكلية، بل من خلال استراتيجية اقتصادية شاملة تعيد هيكلة الاقتصاد وتحوّله من مستهلك للدولار إلى منتج للقيمة الوطنية.
-
التحفيز الجذري للإنتاج المحلي
الخطوة الأولى نحو دينار قوي تبدأ من إحياء القطاعات الإنتاجية، ويتطلب ذلك إصلاح بيئة الأعمال عبر تبسيط إجراءات التأسيس والتراخيص ومكافحة الفساد الإداري، بما يخلق مناخا عادلا للمنافسة.
كما يجب توجيه الائتمان المصرفي نحو القطاعات الصناعية والزراعية بدلا من التجارة والاستهلاك، مع تقديم قروض ميسّرة مشروطة بخلق إنتاج محلي فعلي.
أما الحماية الذكية للمنتجات المحلية، فتقتضي فرض رسوم انتقائية على السلع التي يمكن تصنيعها داخليا، وتشجيع المواطن على شراء المنتج العراقي كخيار وطني واقتصادي في آن واحد.
-
ترسيخ التعامل بالدينار داخل السوق الوطنية
لا يمكن لدينار أن يكون قويا في الخارج ما لم يستخدم بثقة في الداخل…
من هنا تبرز الحاجة إلى سياسات مالية وتشريعية تشجع التعامل بالدينار في الرواتب والعقود والمناقصات الحكومية، وتمنح حوافز للشركات التي تعتمد العملة المحلية في تعاملاتها.
كما يجب تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني لتقليل الاعتماد على النقد بالدولار، إلى جانب إطلاق حملات توعية تثقيفية تشرح للمواطن أثر استخدام الدينار في استقرار الأسعار وتعزيز السيادة النقدية.
-
تنويع الشركاء والعلاقات المالية
تعزيز موقع الدينار لا ينفصل عن الانفتاح على شركاء اقتصاديين جدد، لان الدخول في اتفاقيات مقايضة عملات مع دول كالصين والهند وروسيا يمكن أن يقلل من الاعتماد على الدولار في التبادل التجاري.
كما يعدّ جذب الاستثمار غير النفطي في مجالات السياحة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية ركيزة أساسية لتوسيع القاعدة النقدية.
إلى جانب ذلك، ينبغي تنمية العلاقات التجارية مع دول الجوار وتشجيع المشاريع المشتركة، لتكوين شبكة اقتصادية إقليمية داعمة للدينار.
-
بناء مؤسسات مالية داعمة
لا يمكن لأي إصلاح نقدي أن ينجح دون مؤسسات قادرة على إدارة التحول.
إنّ انشاء وتفعيل الصندوق السيادي العراقي بإدارة مستقلة وشفافة يمكن أن يشكّل أداة لتمويل البنية التحتية ومشاريع التنمية المستدامة.
وفي المقابل، يحتاج القطاع المصرفي إلى عملية دمج وتحديث ترفع كفاءته التشغيلية وتربطه بالنظام المالي العالمي، مع تعزيز الحوكمة والمساءلة في إدارته.
-
إجراءات عملية لتعزيز قيمة الدينار
تتطلب الإستراتيجية الواقعية لإحياء الدينار مجموعة خطوات متكاملة:
-إعادة هيكلة الموازنة العامة وتقليل الاعتماد على النفط.
-تحويل العقود والمناقصات الحكومية إلى الدينار حصرا.
-استخدام الاحتياطي النقدي لامتصاص الصدمات ومراقبة السيولة.
وتنويع مصادر النقد الأجنبي عبر رفع الصادرات غير النفطية إلى ما لا يقل عن 15 مليار دولار سنويا وجذب الاستثمار المباشر حسب المختصين.
-
اخيرا
إنّ قوة الدينار ليست مسألة نقدية فحسب، بل انعكاس مباشر لقوة الاقتصاد ذاته.
فكل خطوة نحو اقتصاد منتج ومتنوع تعني دينارا أكثر ثباتا واستقلالا، وكل تراجع نحو الريع يعيد العملة إلى دائرة الضعف والتبعية.
ويتطلب التحول الحقيقي إرادة سياسية واعية، وتعاونا مؤسسيا ومجتمعيا طويل النفس، لتتحول العملة الوطنية من مجرد أداة تداول إلى رمز فعلي للسيادة الاقتصادية.
المصادر:
1-صندوق النقد الدولي (2024): آفاق الاقتصاد العراقي والإصلاحات المطلوبة.
2-البنك الدولي (2024): مناخ الاستثمار في العراق.
3-بنك الشعب الصيني (2024): اتفاقيات مقايضة العملات الثنائية.
4-منظمة الأونكتاد (2024): تقرير الاستثمار في الدول النامية.
5-البنك المركزي العراقي (2024): بيانات السيولة والاحتياطيات النقدية.


