الفساد في العراق وسنة سقوط الأنظمة الفاسدة
نقل الدكتور علي المؤمن، على لسان نورمان بيرنباوم، قوله في إحدى مقالاته إن «الفساد السياسي،
وهيمنة اقتصاد السوق، والطبيعة اللاأخلاقية للنظام الاجتماعي الأمريكي، ستغرق أمريكا في مستنقع الزوال».
ومن هذه الفكرة، انتقل الدكتور إلى أبرز المؤشرات الاجتماعية في المجتمع الأمريكي، مثل ارتفاع معدلات الجريمة والعنف والانتحار والاغتصاب والسرقات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تناول تراجع بعض المؤشرات الاقتصادية، وتنامي الديون، والعجز التجاري، والتضخم،
وتحول الاقتصاد الأمريكي تدريجياً إلى الطابع الاستهلاكي. كما أشار إلى السياسة الخارجية التي تشهد توترات مع الدول الأوروبية والصين، وربما اليابان في قادم الأيام.
وكما انتهى الاتحاد السوفيتي الاشتراكي نتيجة السياسات الاقتصادية الخاطئة، والخطط المدروسة من الرأسمالية لإسقاطه، يبدو أن الرأسمالية وصلت إلى نهايتها أيضاً. فالمعروف في القانون أن «ما بني على باطل فهو باطل»، وهذا يقود إلى التكهن بنهاية الرأسمالية، لأنها تستخدم الإفساد والحيل والقتل والاغتيال وإسقاط الأنظمة وقتل القادة والإخضاع بالتهديد، وما يقوم على هذه الأدوات لا يدوم طويلاً.
وبطبيعة الحال، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في مقدمة هذا النموذج، باعتبارها الدولة التي تقود العالم اليوم بقوة سلاحها ونفوذها وعملتها، أي الدولار، الذي تتعامل به أغلب دول العالم.
الفساد في القرآن ومعناه الواسع
ذُكر الفساد والمفسدون في القرآن الكريم في أكثر من آية. وبحسب تفسير الأمثل، فإن الفساد هو كل عمل تخريبي يضاد الصلاح، وكل عمل فيه نقص، وكل إفراط أو تفريط في المسائل الفردية والاجتماعية يدخل في مصاديق الفساد.
وقد ورد الفساد في موارد كثيرة، كما في قوله تعالى: «والله يعلم المفسد من المصلح» البقرة: 220. كما ذكرت مفردة الفساد في أكثر من عشرين آية، ومنها قوله تعالى: «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً» المائدة: 23، وقوله تعالى: «ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين».
ومن مجموع هذه الآيات، نفهم أن الفساد في الأرض يحمل معنى واسعاً، يشمل أكبر الجرائم، مثل جرائم فرعون وسائر الطواغيت في الأرض، كما يشمل بخس الناس أشياءهم. ومن ثم، فإن أي حاكم ظالم مصيره الزوال، هو وأمواله وسلطانه وهيلمانه وقصوره، لأن سرقة أموال الناس وحقوقهم تمثل الظلم بعينه.
الطبقة السياسية في العراق وسلوك الطغاة
ما تفعله الطبقة السياسية في العراق اليوم، من انتشار المخدرات، وإشاعة الفساد المالي والإداري، والكذب والخداع، وعدم الوقوف مع الحق، بل ومحاربة الشريف وإبعاده، يجعلها تسلك سلوك الطغاة في الأرض. وهناك سنة إلهية تقول: بشر القاتل بالقتل حتى بعد حين، كما أن ذبح الناس بأكل حقوقهم وحرمانهم منها سيقضي على الظالمين بعد أن يتركهم الله في غيهم يعمهون، ويتمتعون بالأموال الحرام.
وقد رأينا صدام وعائلته، فأين أملاكهم وقصورهم؟ وكذلك الشاه في إيران، وغيرهم كثير من الطغاة والظلمة والفاسدين الذين سرقوا أموال شعوبهم. ومن هنا جاء الحديث عن قرب نهاية الإمبراطورية الأمريكية، لأنها مارست القتل والظلم والفساد الأخلاقي والإبادة في الأرض، وهناك وعد إلهي بنهاية الطغاة والمتجبرين والظلمة الفاسدين.
كما أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي دعمت الفساد في العراق بعد احتلاله، من خلال برنامج القتل الاقتصادي للدول، أو ما يسمى بالاغتيال الاقتصادي. وهذا البرنامج يجعل الدول مستسلمة ومسيطراً عليها، وقابلة للتحكم في شؤونها.
الفساد في العراق من التسعينات إلى ما بعد 2003
في بداية التسعينات، كان الفساد مقتصراً على طبقة الرئيس وحواشيه وأبنائه وحماياته وأقاربه، وكان يجري التخلص من أي شخص ينافسهم. ثم زاد معدل الفساد والرشوة في مؤسسات الدولة أثناء الحصار الاقتصادي على العراق، الذي استمر 13 عاماً، حتى صارت أي معاملة في دوائر الدولة لا تنجز من دون دفع الرشوة للموظف المختص.
وبعد عام 2003، دخل مصطلح الفساد إلى كل الميادين في الدولة العراقية، السياسية والاقتصادية والوظائف العامة. كما ظهرت جيوش الفضائيين، والرواتب التي تمنح لطبقة معينة بعناوين مخترعة، مثل الدرجات الخاصة والمستشارين واللجان الاقتصادية للأحزاب.
والمشكلة أن الحكام وقادة الكتل السياسية يعترفون بألسنتهم بوجود الفساد، وبأن هناك حيتاناً كبيرة يجب القضاء عليها. وهكذا، تحول الفساد في زمن صدام، الذي كان مقتصراً على نظامه، إلى فساد تمارسه الأحزاب التي تسلمت السلطة، وحواشيها وأدواتها داخل الدولة، بينما بقي الشعب يعاني، وخاصة من يحترمون القوانين الإلهية والوضعية، وهم الأغلبية المسحوقة.
شهادات دولية ومنظومات فساد محمية
ذكرت الممثلة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جنين بلاسخارت، سنة 2022، أن «الفساد سمة أساسية في الاقتصاد السياسي بالعراق وجزء من المعاملات اليومية». ولم يعد الاتهام داخلياً فقط، لأن التصنيف العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية يضع العراق في مراتب مخجلة.
وتضم منظومات الفساد في العراق شخصيات سياسية وعسكرية وتجارية تحمي بعضها بعضاً. كما أن من يمس هذه المنظومات إعلامياً أو قضائياً يعرض نفسه للخطر، لأن شبكات الفساد لا تعمل بصورة منفردة، بل تتحرك وفق منظومة مصالح متشابكة.
أما طرق الفساد، فهي متعددة، وتشمل الرشاوى، ومزاد العملة، والتوظيف الوهمي، وبيع المناصب، وتهريب الأموال، وشراء العقارات، والمشاريع الوهمية. وبسبب الخلافات بين من وصفهم النص بـ«الحرامية»، ظهرت الكثير من السرقات إلى العلن.
سرقة القرن وملفات الفساد الكبرى
من أبرز تلك الملفات ما سمي بسرقة القرن، وكان بطلها نور زهير، الذي سرق 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية. وقد تعهد السوداني في بداية حكومته بأنه سيعيد الأموال، ويضع السراق خلف القضبان، لكن حكومته انتهت وما زال السراق يسرحون ويمرحون، والأموال في أيديهم وتحت تصرفهم.
ويقال إن ما أعلن عنه في سرقة القرن لا يعادل 10% من أموال العراقيين المسروقة. ومؤخراً، ظهرت سرقة جديدة في وزارة النفط بمليارات الدولارات، وكان بطلها عدنان الجنابي، ويقال أيضاً إن شخصيات سياسية من الصف الأول مشتركة فيها.
وقبل يومين، وجدوا في منزل مدير عام في الكهرباء يدعى علاء سمير 76 مليار دولار. وهنا يبرز السؤال المباشر: هل يستطيع علي الزيدي القضاء على هذا الفساد؟ الحقيقة أن هذا أمل الجميع، وسوف يحظى بدعم الشعب والمرجعية وكل شريف، لكن هذه المنظومة أقوى من الحكومة وأجهزتها.
هل يكفي تدوير القيادات؟
إن تدوير الشخصيات القيادية في الدولة لا يمنع الفساد. فبدون العقوبة والحساب، لا ينتهي الفساد،
لأن الفاسد لا يتوقف بمجرد تغيير الموقع أو إعادة توزيع المناصب، بل يتوقف حين يدرك أن هناك قضاءً يحاسبه، ودولة لا تحميه، ومجتمعاً لا يسكت عنه.
لكن استمرار الفساد، وهدر الثروة، وضياع الحقوق، واقتصار الأموال والمناصب على طبقة معينة،
وحرمان الأغلبية من حقوقهم، سيولد انفجاراً يقضي على الطبقة السياسية برمتها.
وليس الأمر كما قال السياسي عزت الشاهبندر: ينبغي مكافحة الفساد وليس الفاسدين، لأن القضاء على الفاسدين سيقضي على النظام.
وهنا نتساءل: كيف يمكن مكافحة الفساد وترك من يقوم بالفساد من دون محاسبة؟ فالفاسد هو أداة الفساد،
ومن يحميه هو شريك في الجريمة، ومن يسكت عنه يساعد في استمرار المنظومة التي تبتلع الدولة والمجتمع معاً.
مكافحة الفساد مسؤولية قانونية ووطنية
يمثل الفساد الإداري والمالي خطراً يواجه الدول والمجتمعات، لأنه يفقد الناس ثقتهم بمؤسسات الدولة،
ويعطل أي إصلاح أو تنمية. لذلك، يجب أن تنطلق مكافحة الفساد من المجتمع نفسه، لأنها ضرورة قانونية ووطنية وأخلاقية.
كما يجب على القضاء أن يحاسب الفاسد من أي جهة كان، ومن دون مجاملة.
بل ينبغي أيضاً محاسبة الكتلة أو الكيان السياسي الذي يدعم هذا الفاسد،
لأن الأسئلة الأساسية واضحة: كيف وصل هذا الشخص إلى منصبه؟ ولمن يعطي الأموال التي يسرقها؟ ومن يحميه من القضاء إذا أراد محاسبته؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى كثير من الذكاء لمعرفة الجهة التي تقف خلف الفاسد.
ولذلك، وحتى يكون الأمر مقبولاً، ينبغي البدء بإعادة الأموال المسروقة،
ثم إعادة النظر في الرواتب الخيالية التي تمنح لبعض الفئات من دون وجه حق، في مقابل حرمان فئات كثيرة من حقوقها ومنحها رواتب رمزية.
العدالة الاجتماعية ونهاية النظام الفاسد
ليست الفئة الأولى أكثر من الثانية كفاءة أو ذكاءً، لكنها قريبة من مصدر القرار والسلطة. وهذا الخلل،
إذا بقي كما هو، سيقضي على آخر أمل بمحاسبة الفاسدين الكبار،
لأن الناس لا يمكن أن تقبل إلى الأبد بوجود طبقة تستحوذ على الأموال والمناصب، بينما تعيش الأغلبية تحت ضغط الحاجة والحرمان.
أما التسويف والمماطلة والوعود الكاذبة، فإنها ستنهي النظام بجميع رموزه وزعاماته. فالظلم لا يدوم،
وهذه سنة كونية، وكل نظام يقوم على الفساد وسرقة الحقوق ومحاربة الشرفاء يحمل في داخله أسباب سقوطه، مهما امتلك من مال وسلطة ونفوذ.
ومن هنا، فإن نهاية الأنظمة الفاسدة ليست مجرد توقع سياسي، بل نتيجة طبيعية لقانون أخلاقي وتاريخي وإلهي.
وإذا استمر النظام الحالي في العراق على هذا الطريق، فإنه سيكون التالي، لأن بقاء الفساد يعني سقوط الثقة، وسقوط الثقة يعني سقوط الشرعية، وسقوط الشرعية هو بداية النهاية.


