خرائط الصراع القادمة وسؤال الدور السوري
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول إمكانية إسناد دور محوري لسوريا، وتحديداً للرئيس أحمد الشرع، في مواجهة حزب الله داخل لبنان، موجة واسعة من التساؤلات حول خرائط الصراع القادمة في المنطقة.
وجاءت هذه التصريحات في سياق لا يبدو أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية وصلت فيه إلى طريق مسدود بالكامل.
بل تواصلت مسارات التفاوض، في حين تشير التحركات الميدانية على الأرض إلى أن المشهد يزداد تعقيداً.
ومن هنا، لم يعد الحديث عن الدور السوري مجرد تقدير سياسي عابر.
بل أصبح جزءاً من قراءة أوسع لمسارات التوتر بين لبنان وسوريا وإيران والولايات المتحدة وتركيا، في ظل تداخل الحسابات الإقليمية والدولية.
التحركات العسكرية السورية قرب لبنان
في تطور لافت، رصدت تقارير إعلامية ومتابعات ميدانية تحركات عسكرية سورية باتجاه الحدود اللبنانية.
وشملت هذه التحركات دبابات ومدرعات تابعة لقوات الرئيس الشرع.
كما شملت وحدات مقاتلة تضم عناصر من أصول إيغورية وشيشانية، وأخرى من جنسيات آسيوية.
وقد انتشرت هذه الوحدات في مناطق قريبة من مدينة طرابلس، وعلى امتداد الحدود الشمالية مع لبنان.
وتزامنت هذه التحركات مع تعزيزات عسكرية سورية أوسع.
إذ شملت التعزيزات وحدات صواريخ وآلاف الجنود، تمركزوا في ريف حمص الغربي وجنوب طرطوس.
وقد وصفت دمشق هذه الخطوة بأنها دفاعية، وتهدف إلى ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمقاتلين.
مخاوف حزب الله وحلفائه
غير أن هذه التعزيزات أثارت مخاوف داخل أوساط حزب الله والقوى المتحالفة معه.
فقد رأت هذه الأطراف في التحركات السورية مؤشراً على احتمال تحرك سوري باتجاه الأراضي اللبنانية.
وزادت هذه المخاوف في ظل تصريحات منسوبة إلى الرئيس الشرع لم تؤكدها مصادر رسمية.
كما عززتها تقارير تحدثت عن رغبة بعض الوحدات العسكرية السورية في «تسوية الحسابات» مع حزب الله في منطقة البقاع.
وفي المقابل، سارعت الحكومة السورية إلى نفي أي نية للتدخل العسكري في لبنان.
وأكد الرئيس الشرع أن ما يثار حول دخول سوريا إلى لبنان «غير صحيح تماماً».
كما شدد على أن دور سوريا ينحصر في التنسيق الأمني وضبط الحدود.
خرائط الصراع القادمة والموقف اللبناني
يأتي هذا التحرك السوري في وقت تواجه فيه الحكومة اللبنانية وضعاً بالغ الحساسية.
فهي لا تقف في موقع المتفرج المحايد فقط.
بل تبدو، وفق قراءة المقال، في موقع المتفرج الذي قد يساند حزب الله، ولو بطريقة غير معلنة.
ورغم أن البيانات الرسمية ترفض أي تدخل خارجي، فإن التوازنات السياسية الداخلية في لبنان تمنع الحكومة من اتخاذ موقف عدائي صريح من حزب الله.
ويعود ذلك إلى تمثيل الحزب القوي داخل السلطة، وإلى خشية الحكومة من أن يؤدي أي انحياز واضح ضده إلى شلل سياسي أو حتى اقتتال داخلي.
وبالتالي، يبدو الموقف اللبناني الرسمي، وإن ظهر رافضاً للتدخل السوري، موقفاً يحافظ في جوهره على غطاء سياسي للحزب.
الموقف التركي وتعقيد الحسابات
أما الموقف التركي، فيبرز بوصفه عنصراً إضافياً من عناصر التعقيد.
فأنقرة ترفض بوضوح أي إشراك للرئيس الشرع في مواجهة عسكرية داخل لبنان.
ويرتبط هذا الموقف جزئياً بموقف رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، المعارض لهذا التوجه.
كما يرتبط بالمخاوف التركية من أن تؤدي أي مواجهة سورية مع حزب الله إلى إشعال جبهة جديدة.
وقد تخدم هذه الجبهة، وفق الحسابات التركية، التمدد الإسرائيلي نحو لبنان.
كذلك، قد تنعكس سلباً على المصالح التركية في سوريا والعراق.
ومن هنا، ينشأ تعارض مباشر بين الموقفين التركي والأمريكي.
وقد يدفع هذا التعارض أنقرة إلى استخدام نفوذها في الشمال السوري للضغط على دمشق، ومنع أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع حزب الله.
التناقض الأمريكي التركي في خرائط الصراع القادمة
تكشف هذه التطورات أن خرائط الصراع القادمة لا تتحرك وفق مسار واحد.
فالولايات المتحدة قد ترى في الدور السوري أداة ضغط على حزب الله، وربما على إيران أيضاً.
في المقابل، تخشى تركيا أن يتحول هذا الدور إلى بوابة لتوسيع الفوضى، وفتح جبهة جديدة يصعب ضبطها.
كما تخشى أن تستفيد إسرائيل من أي تصدع في الجبهة اللبنانية السورية.
لذلك، يصبح التباين الأمريكي التركي عاملاً مهماً في تحديد حدود الحركة السورية، وفي ضبط مستوى التوتر على الحدود اللبنانية.
سيناريو الترقب والاستنزاف
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة الترقب والاستنزاف.
فجميع الأطراف تدرك أن أي انفجار واسع قد يخرج عن السيطرة.
كما تدرك أن توسع المواجهة سيهدد مصالح الجميع دون استثناء.
ولهذا، قد تبقى المنطقة في حالة توتر دائم، من دون الذهاب بالضرورة إلى حرب مفتوحة.
وفي هذا السيناريو، تستمر التحركات العسكرية بوصفها رسائل ضغط، بينما تستمر التصريحات السياسية بوصفها أدوات اختبار لردود الفعل.
المفاوضات الأمريكية الإيرانية وحدود التهدئة
قد يعيد أي اتفاق أمريكي إيراني مستقبلي تشكيل أدوات الصراع.
لكنه لن ينهي جذوره.
فالساحات المحلية ستبقى مسرحاً للتنافس والنفوذ لسنوات قادمة.
كما ستظل التناقضات بين الفاعلين الإقليميين والدوليين عاملاً أساسياً في إبقاء التوتر قائماً.
ومن ثم، لا تكمن أهمية المفاوضات في قدرتها على إنهاء الصراع بالكامل.
بل في قدرتها على إعادة توزيع أدواته، وتغيير مستويات الضغط بين الساحات المختلفة.
خاتمة: خرائط الصراع القادمة في الإقليم
تظهر خرائط الصراع القادمة بوصفها شبكة معقدة من الحسابات المتداخلة.
فالتصريحات الأمريكية، والتحركات السورية، وحسابات حزب الله، وحساسية الموقف اللبناني، والرفض التركي، كلها عناصر تتحرك داخل مشهد واحد شديد الهشاشة.
كما أن استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية لا يلغي احتمالات التصعيد، بل يجعلها أكثر ارتباطاً بحسابات الميدان والرسائل السياسية.
وفي النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة طويلة من الترقب والاستنزاف، حيث لا يريد معظم الأطراف انفجاراً واسعاً، لكنهم في الوقت نفسه يواصلون تحريك أدوات الضغط والنفوذ في ساحات مفتوحة على أكثر من احتمال.

