من قال إن منتسبي الحشد الشعبي لا يحق لهم الترشح في الانتخابات؟ ومن أعطى نفسه سلطة حرمان أبناء الحشد من ممارسة حقّهم الدستوري؟ أليس الحشد مؤسسةً أمنيةً حالها حال الدفاع والداخلية والأمن الوطني والمخابرات وغيرها من المؤسسات التي يحق لمنتسبيها الترشح بعد استقالتهم من وظائفهم؟ فلماذا تُفتح الأبواب أمام الجميع وتُغلق فقط بوجه من أنقذ العراق من السقوط؟ ولماذا لم يُشرّع البرلمان قانونًا يحدد ضوابط مشاركته إن كان في ذلك خطرٌ على الدولة كما يدّعي المنافقون؟
الحقيقة واضحة لا تحتاج إلى تفسير: لا قانون يمنع الحشد من المشاركة، بل هناك أهواء سياسية تخشى من حضور الحشد في المشهد الانتخابي، لأنه صوتٌ حرّ لا يُشترى ولا يُدار من الخارج. الحشد لم يولد من فراغ، بل من فتوى المرجعية ومن دماء الشهداء، وهو مؤسسة أقرّها القانون رقم (40) لسنة 2016 وصوّت عليها البرلمان، فكيف يصبح فجأة “طارئًا” على الدولة وهو الذي أنقذ الدولة؟
إن من يخاف من دخول مرشحين من الحشد إلى السياسة لا يخشى “العسكرة” كما يزعم، بل يخشى أن يسمع العراق صوته الحقيقي. يخاف من رجالٍ يعرفون معنى الشرف والدم، من مقاتلين قاتلوا حين باع غيرهم الوطن. والأعجب من ذلك أن معظم قيادات المؤسسات الأمنية الأخرى ـ من الدفاع والداخلية والأمن الوطني والمخابرات ـ شاركوا في الانتخابات أو ترشحوا فيها، ولم نسمع لأحدٍ منكم صوتًا! فلماذا تصمتون عنهم وتفتحون أفواهكم فقط عندما يتعلّق الأمر بمرشحي الحشد؟ أليس هذا نفاقًا انتخابيًا مكشوفًا وازدواجيةً في المبدأ والموقف؟
ولنعترف بالحقيقة كما هي: الحشد حتى هذه اللحظة لم يدخل السياسة كمؤسسة، ولم يشكّل حزبًا أو كتلة سياسية تحمل اسمه، لكنه يضم منتسبين وقادة وناشطين سياسيين يمارسون حقّهم المشروع في الترشح كمواطنين عراقيين، شأنهم شأن آلاف الضباط والمنتسبين من وزارتي الدفاع والداخلية وجهازي الأمن الوطني والمخابرات الذين ترشح كثيرٌ منهم في الانتخابات السابقة والحالية دون أن يُثار ضدهم هذا الضجيج المزدوج واجبروا مقاتليهم على انتخابهم او انتخاب اقربائهم.
كثيرون يتذرّعون بقول الشهيد (الشايب): “الحشد لن يدخل الانتخابات، واليوم الي أشوف الحشد صار سياسي أني أبطل من عنده”، ثم يتغافلون عن تتمة كلامه: “أنا خرجت من كل حزب دخل السياسة، كنت في الدعوة الإسلامية وتركتها، وكنت في المجلس الأعلى وفي بدر، وتركتهما لأنها تحولت إلى سياسة.”
لقد كان كلامه موقفًا شخصيًا نابعًا من زهده بالمناصب، لا تحريمًا عامًا، فقد اختار أن يبقى في الميدان، وغيره اختار أن يجاهد بالكلمة والموقف، وكلاهما أبناء العراق.
وإن كنتم تؤمنون بالشايب حقًا، فلماذا سكتّم حين قُتل؟ ولماذا لم تصرخوا في وجه أمريكا التي اغتالته في مطار بغداد عام 2020؟ ولماذا رقص بعضكم على دمه في عورة تشرين؟ من أحبّ الشايب دافع عن دمه، لا عن تأويل كلماته، ومن احترم مبدئيّته لا يستخدمها لتسقيط الحشد الذي كان أحد مؤسسيه.
إن من يمنع أبناء الحشد من الترشح يعلن عداءه الصريح للديمقراطية ولحق الشعب في اختيار من دافع عنه بالسلاح والموقف. فالحشد لم يطلب امتيازًا، بل حقًّا. وذنب الحشد أنه انتصر، وجرمه أنه بقي وفيًّا للعراق حين خان الآخرون. ومن يمنع منتسبيه من الترشح أو يروّج لعدم انتخابهم إنما يريد أن يمنع العراق من أن يقول كلمته.


