الإصلاح المصرفي مشروع ورقي لتجميل فشل السياسة النقدية وغياب الرقابة على غسل الأموال

يُبيّن التحليل أنّ ما يُسمّى بالإصلاح المصرفي ليس سوى مشروعٍ ورقيٍّ يفتقرُ إلى المؤشراتِ والحوكمةِ والرقابةِ على غسل الأموال، وأنّ غيابَ التنفيذِ الفعليّ يُحوّله إلى غطاءٍ لتجميلِ فشلِ السياسةِ النقديةِ وتآكلِ الثقةِ بالقطاعِ الماليّ...
عاد محافظ البنك المركزي لدولة منتزوبيا إلى واجهة الخطاب الاقتصادي بتصريحات متكررة عن “خطة الإصلاح المصرفي” التي، كما يقول، دخلت مراحل متقدمة، وأن القطاع المصرفي سيشهد تحوّلًا جذريًا خلال خمس سنوات.

لكنّ المشكلة لا تكمن في ما قيل، بل في ما لم يُقل. فالخطة التي يتحدث عنها المحافظ تفتقر إلى مؤشرات قياس حقيقية، وجدول زمني محكوم برقابة فنية مستقلة، وإلى دمج مؤسسي واضح لمكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في بنية الإصلاح.

وحتى اللحظة، لا وجود لأي نتائج كمية منشورة تُظهر أن هناك تحولًا بنيويًا في أداء المصارف أو قدرتها على دعم الاقتصاد الحقيقي.

الواقع الرقمي للقطاع المصرفي

يضم النظام المصرفي ما يقارب سبعة وأربعين مصرفًا عاملًا، من بينها ثلاثة مصارف حكومية كبرى وأربعة وأربعون مصرفًا خاصًا محليًا وأجنبيًا مشمولًا مبدئيًا بخطة الإصلاح.

وعلى الرغم من إعلان البنك المركزي عن “استجابة واسعة”، فإن الأرقام الواقعية تُظهر أن الاستجابة الفعلية لم تتجاوز حدود الشكل الإداري أكثر مما هي تنفيذ فعلي.

فمن بين المصارف الخاصة المشاركة في الخطة، لم تتجاوز نسبة المصارف التي قدمت خطط تطوير مكتوبة أو وقّعت مذكرات تفاهم جدية مع الشركة الاستشارية الأجنبية ما بين خمسة وعشرين إلى ثمانية وعشرين مصرفًا، أي بنسبة تقارب ستين في المئة من مجموع المصارف.

إلا أن هذه النسبة لا تعكس التزامًا فعليًا، إذ إن أغلب تلك الخطط بقيت ضمن إطار الوثائق الورقية من دون تطبيق عملياتي.

أما المصارف التي أظهرت التزامًا فعليًا على الأرض، سواء في تحديث أنظمتها المصرفية أو في إدخال أنظمة إدارة المخاطر والحوكمة، فلا تتجاوز اثني عشر مصرفًا فقط، وهي بمعظمها المصارف الكبرى التي تمتلك بنية تحتية رقمية نسبية وشراكات أجنبية.

في المقابل، تُواجه نحو خمسة إلى سبعة مصارف مخاطر جدية بالفشل أو الإغلاق نتيجة ضعف رأس المال والسيولة وتعثر الامتثال لمتطلبات البنك المركزي والمعايير الدولية.

أما المصارف الحكومية الثلاثة، التي يُفترض أن تكون النواة الأساسية للإصلاح، فلم تُسجَّل فيها أي عملية تحديث هيكلية أو تحول رقمي حقيقي، وما زالت تعمل بذات الأساليب البيروقراطية القديمة، وهو ما يُفقد خطة الإصلاح معناها الجوهري، لأن أي إصلاح مصرفي لا يشمل المصارف الحكومية يُعد إصلاحًا منقوصًا.

غياب مؤشرات الأداء والتقييم العلمي

الخطة التي يتحدث عنها المحافظ تُقدَّم للرأي العام بلغة شعاراتية، لكنها تفتقر إلى مؤشرات أداء كمية (KPIs) يمكن من خلالها قياس التقدم أو الفشل.

فلم يُعلن البنك المركزي حتى الآن عن أي نسب تتعلق بزيادة القروض التنموية، أو انخفاض القروض المتعثرة، أو تحسن كفاية رأس المال، أو حجم التمويل المنتج مقارنة  بالتمويل التجاري أو الاستيرادي.

إن الإصلاح المصرفي، وفق المعايير الدولية، يجب أن يُقاس بتحول المصارف من مؤسسات تقتات على بيع العملة الأجنبية إلى مؤسسات تموّل الاقتصاد المحلي وتدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

لكن الواقع في منتزوبيا يشير إلى أن أكثر من 70% من أرباح المصارف الخاصة تأتي من عمليات نافذة بيع العملة الأجنبية، وليس من الإقراض أو الخدمات المصرفية الحقيقية. وهذا يعني أن النظام المصرفي ما زال يعتمد على دورة الدولار اليومية أكثر من اعتماده على الاقتصاد الإنتاجي.

نتائج التقرير الأولي لشركة أوليفر وايمان

وفق المعلومات المتاحة من الملخص الفني الأولي الذي أعدته شركة أوليفر وايمان المكلفة بتقييم المصارف الخاصة ضمن خطة الإصلاح، فإن التقدم المحقق حتى نهاية عام 2025 ما يزال محدودًا للغاية.

أظهر التقرير أن أغلب المصارف لا تمتلك نظام حوكمة فعّال، وأن أنظمة الامتثال فيها قديمة، ولا تواكب متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF).

كما بيّن التقرير أن أكثر من 60% من المصارف الخاصة تفتقر إلى بنية رقمية أساسية، وأن أنظمة مكافحة غسل الأموال فيها شكلية وغير مفعّلة.

في الوقت ذاته، أشار التقرير إلى أن نحو خمسة مصارف مهددة بالإغلاق أو الدمج الإجباري خلال العامين المقبلين إذا لم تتمكن من تدارك فجوات رأس المال والسيولة.

وقد أوصت الشركة الاستشارية بعدة خطوات تشغيلية رئيسية، أبرزها:

1. إنشاء قاعدة بيانات مركزية متكاملة لتتبع التزامات المصارف وتحديثها ربع سنويًا.

2. تصنيف المصارف إلى ثلاث فئات بحسب مستوى الامتثال، مع منح مهلة زمنية محددة للفئة (B) لإصلاح أوضاعها، وإحالة الفئة (C) إلى الاندماج أو التصفية.

3. إعلان مؤشرات أداء ربع سنوية للرأي العام لضمان الشفافية والمساءلة.

4. إشراك الجهات الرقابية، بما فيها مكتب مكافحة غسل الأموال، بشكل مباشر في متابعة التنفيذ.

إلا أن النقطة الأخيرة، وهي الأخطر، لم تُدرج فعليًا ضمن عمل البنك المركزي التنفيذي، إذ بقي دور مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب غائبًا عن الخطط المعلنة، رغم أن أغلب الثغرات التي كشفها التقرير تتعلق بضعف الامتثال والرقابة الداخلية.

غياب دور مكتب مكافحة غسل الأموال

من الناحية التنظيمية، يُعد مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في البنك المركزي العراقي الجهة الرئيسة المسؤولة عن ضمان الامتثال للمعايير الدولية (FATF وAML/CFT).

لكن المراقبة الميدانية تشير إلى غياب هذا المكتب عن جوهر خطة الإصلاح المصرفي، سواء في تصميمها أو في مراحل تنفيذها، الأمر الذي يُضعف المصداقية المؤسسية للخطة برمتها.

فالإصلاح المصرفي الذي لا يدمج آليات مكافحة غسل الأموال في بنيته الإجرائية هو إصلاح ناقص، لأن الحوكمة والشفافية ليست مجرد تحديث إداري، بل هي نظام رقابة متكامل يحمي النظام المالي من المخاطر القانونية والسياسية والاقتصادية.

وبغياب هذا الدور، تبقى المصارف معرضة لمخاطر دولية، منها إدراج العراق مجددًا في القوائم الرمادية، وهو ما يُعد تهديدًا مباشرًا للاستقرار المالي ولثقة المجتمع الدولي بالقطاع المصرفي.

التحليل العلمي للخلل البنيوي

يتضح من تحليل بنية الخطة المعلنة أن البنك المركزي تعامل مع الإصلاح بوصفه عملية إعلامية أكثر من كونه مشروعًا اقتصادياً مؤسسياً.

فهو يتحدث عن “إصلاح شامل” من دون أن يحدد الإطار الزمني التفصيلي لكل محور، ولا الموازنات التشغيلية اللازمة، ولا الهيئات التنفيذية المكلفة بالمتابعة.

كما أن الخطة لم تتضمن برامج إلزامية لرفع كفاءة الكوادر المصرفية، أو لتقوية إدارة المخاطر، أو لتفعيل التمويل الإسلامي، أو لإصلاح القطاع الحكومي المتضخم.

ومن الناحية التطبيقية، لم تُعلن حتى الآن أي نتائج كمية حول نسب التطور أو الانحسار، مما يجعل عبارة “دخلنا مراحل متقدمة” فارغة من المضمون الاقتصادي.

فالمراحل المتقدمة في أي إصلاح مصرفي تُقاس بارتفاع حجم الائتمان الإنتاجي، لا بزيادة عدد التصريحات الصحفية.

يمكن القول إن ما يسميه المحافظ “خطة إصلاح مصرفي” لا يعدو كونه إطارًا نظريًا بلا أدوات تنفيذية حقيقية.

فلا المصارف تغيّرت، ولا الرقابة تطورت، ولا الخدمات المصرفية وصلت إلى مستوى الحد الأدنى من المعايير الدولية.

بل إن غياب التنسيق المؤسسي مع مكتب مكافحة غسل الأموال، وضعف الشفافية في إعلان النتائج، جعل الخطة تُصنف ضمن المشروعات الورقية التي تفتقر إلى المخرجات الاقتصادية الفعلية.

أما الوعد بـ“تحول جذري خلال خمس سنوات”، فهو إعادة تدوير لخطاب الوعود القديمة التي سمعها العراقيون منذ عام 2003، من دون أن يشهدوا مصرفًا واحدًا أصبح في مصاف المصارف الإقليمية الحديثة.

إن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بالتصريحات، بل بالأرقام.

وحين يُعلن البنك المركزي في تقرير رسمي أنه رفع نسبة القروض التنموية بنسبة 30%، وخفّض نسب التعثر، ودمج المصارف الفاشلة، وطوّر أنظمة الامتثال بالتنسيق مع مكتب مكافحة غسل الأموال، عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح قد بدأ فعلاً.

أما اليوم، فكل ما يحدث هو إصلاح لغوي في بيانات البنك المركزي، لا إصلاح مصرفي في واقع السوق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *