الأمانات الضريبية على الاستيراد في العراق: ضريبة مقنّعة أم إجراء قانوني؟

الأمانات الضريبية على الاستيراد في العراق ضريبة مقنّعة أم إجراء قانوني؟
تناقش الدراسة أماناتَ ضريبية تُفرض على استيراد العراق كضريبة مقنّعة أم إجراءَاً قانونياً. وتؤكد أن الدستور يمنع فرض الضرائب إلا بقانون، وأن القوانين الأساسية تنظّم الدخل والتعريفات دون نصٍ صريحٍ للاستيفاءها، مع تبعاتٍ اقتصادية وقانونية خطيرة وخياراتُ سياساتٍ بديلة فعّالة....

يشهد النشاط التجاري في العراق خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في فرض ما يسمى بـ “الأمانات الضريبية” على السلع المستوردة عند المنافذ الحدودية. ويُقدَّم هذا الإجراء على أنه وسيلة لضمان تحصيل ضريبة الدخل من المستوردين ومنع التهرب الضريبي. غير أن هذا الإجراء يثير إشكالاً قانونياً جوهرياً يتعلق بمدى مشروعيته في ضوء الدستور والقوانين النافذة.

مبدأ الشرعية الضريبية

يقوم النظام المالي في العراق على قاعدة دستورية واضحة هي مبدأ الشرعية الضريبية. فقد نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (28/أولاً) على أن:

“لا تُفرض الضرائب والرسوم، ولا تُعدّل، ولا تُجبى، ولا يُعفى منها، إلا بقانون.”

ويعني ذلك أن أي التزام مالي يفرض على المكلفين يجب أن يستند إلى نص تشريعي صريح صادر عن السلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التنفيذية استحداث ضرائب أو رسوم أو أعباء مالية بقرارات أو تعليمات إدارية.

وهذا المبدأ ليس مجرد قاعدة مالية، بل هو ضمانة دستورية لحماية النشاط الاقتصادي والتجاري من التعسف المالي.

الإطار القانوني المنظم للاستيراد والضريبة

عند مراجعة القوانين النافذة المنظمة للنشاط التجاري والاستيراد في العراق، نجد أن المنظومة التشريعية تقوم أساساً على ثلاثة قوانين رئيسية:

  • قانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 المعدل
  • قانون الكمارك رقم 23 لسنة 1984
  • قانون التعرفة الكمركية رقم 22 لسنة 2010

هذه القوانين نظمت بصورة واضحة

  1. فرض ضريبة الدخل على الأرباح المتحققة من النشاط التجاري.
  2. فرض الرسوم الكمركية على البضائع المستوردة.
  3. تحديد نسب التعرفة الكمركية وفق جداول تشريعية.

إلا أن هذه القوانين لا تتضمن نصاً صريحاً يجيز استيفاء ما يسمى بالأمانة الضريبية عند الاستيراد.

الطبيعة القانونية للأمانة الضريبية

من الناحية العملية، تقوم الجهات المالية عند التخليص الكمركي باستيفاء نسبة مالية من قيمة البضاعة المستوردة وتسجلها كـ أمانة ضريبية لحساب الهيئة العامة للضرائب.

لكن من حيث التكييف القانوني، فإن هذا المبلغ لا يخرج عن أحد احتمالين:

  1. ضريبة مسبقة على الأرباح المتوقعة من عملية الاستيراد.
  2. رسم مالي إضافي يفرض على البضاعة المستوردة.

وفي كلا الاحتمالين فإن الإجراء يثير إشكالاً قانونياً، لأن الضريبة المسبقة تحتاج إلى نص قانوني يجيز استيفاءها. والرسوم المالية لا يجوز فرضها إلا بقانون أو استناداً إلى قانون.

إشكالية تجاوز مبدأ المشروعية

تكمن الإشكالية الأساسية في أن الأمانات الضريبية تفرض غالباً بقرارات إدارية أو تعليمات مالية، وليس بنص تشريعي صادر عن مجلس النواب.

وهذا يثير تساؤلاً قانونياً مهماً:

هل يمكن للإدارة المالية أن تفرض التزاماً مالياً على المستوردين خارج الإطار التشريعي؟

الجواب في ضوء الدستور ومبادئ القانون الإداري يميل إلى النفي، لأن:

  • فرض الأعباء المالية هو اختصاص تشريعي أصيل.
  • ولا يجوز للإدارة أن تحل محل السلطة التشريعية في إنشاء ضرائب أو رسوم جديدة.

وبالتالي فإن هذا الإجراء قد يندرج ضمن القرارات الإدارية المشوبة بعيب عدم المشروعية.

الآثار الاقتصادية والقانونية

لا تقف آثار الأمانات الضريبية عند الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، إذ تؤدي إلى:

  • زيادة كلفة الاستيراد.
  • تجميد سيولة التجار في أمانات مالية لفترات طويلة.
  • خلق حالة من عدم اليقين التشريعي في البيئة التجارية.

وهذا يتعارض مع متطلبات الاستقرار القانوني الضروري لجذب الاستثمار وتنشيط التجارة.إن ضمان تحصيل الضريبة ومنع التهرب الضريبي هدف مشروع للدولة، غير أن تحقيق هذا الهدف يجب أن يتم ضمن الإطار الدستوري والقانوني السليم.

أما استحداث أدوات مالية جديدة خارج النصوص التشريعية، حتى وإن كانت تحت مسمى “أمانة ضريبية”، فإنه يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مدى احترام مبدأ الشرعية الضريبية الذي يشكل حجر الأساس في النظام المالي للدولة.

ففي دولة القانون، لا تُبنى السياسة المالية على الاجتهاد الإداري، بل على النص التشريعي الواضح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *