| كشفت العملية السياسية في العراق 2003-2025، عن بيئة حاضنة للانتهازية السياسية، خصوصا في أوساط أحزاب الإسلام السياسي التي تقلدت أدوار ومفاصل السلطة التنفيذية، وأتيح لها، بشكل مفاجئ وتاريخي، أن تتبوأ الهيمنة على قرارات المال والنفوذ والحكم.
وإذ توصف “الانتهازية” بكونها سلوكاً يركز على تفضيل المصالح الشخصية على المصالح العامة، والتخلي عن المبادئ والأفكار بقدر ما تتطلب المصلحة الشخصية، فالسياسي الانتهازي مستعد أن يهرول وراء مصلحته، تاركا خلفه الأفكار والشعارات السياسية التي كان يضعها قناعاً لشخصيته وأدواره السابقة، دون شعور بالحياء الاجتماعي أو العار السياسي! تكرست هذه الظاهرة بجلاء في العراق، وكانت تمثل العصب الداخلي للفساد السياسي، الذي استحث الفساد المالي والفشل الإداري والأخلاقي والإعلامي، وأفرغ مشروع التحول الديمقراطي من محتواه، وقاد الدولة إلى الهشاشة والتفكك! نستطيع اليوم أن نتحدث عن ظاهرة قوامها العشرات من الانتهازيين السياسيين وغير السياسيين، الذين استبدلوا جلدهم السياسي وانتماءهم وولاءهم لهذا الحزب أو ذاك، وبحسب قربه من السلطة! وإذ نعفي أصحاب المال والأعمال وهم فئة طفيلية، هي الأخرى نشأت في أخاديد الفساد السياسي وأحزاب السلطة، فإن شخصيات فاعلة، وكانت تملأ الفضاء صخباً بالهتاف السياسي، وترفع عقيرتها بالشعار الطائفي والمظلومية وغيرها من رثاثة الكلام المتهافت، تجدها تتنقل من حزب ” إياد علاوي” وهو يمسك بالسلطة ورئاسة الوزراء، وعندما تنتقل رئاسة الوزراء إلى حزب”نوري المالكي” تجدهم يتحولون إلى مالكيين حد النخاع، وعندما تنتقل السلطة إلى “حيدر العبادي” يحتشدون خلفه، وهكذا حتى تجدهم اليوم يهتفون لحزب ” محمد شياع السوداني” ويجتهدون في التملق والتنكر وانتقاد ماضيهم في سلوك فاضح، من أجل أن تكون لهم الحظوة لدى صاحب السلطة “السوداني”، وجل أمانيهم اليوم أن يتكرر السوداني في دورة رئاسية ثانية، لتكتمل دورتهم مع تسلق مراتب الملكيات من أموال وسلطة ومظاهر اجتماعية زائفة. *فوائد الانتهازية السياسية!برغم الضرر الأخلاقي والمادي الذي تسببه الانتهازية السياسية، لأنها مستعدة أن تُسقط وتدمر جميع المصالح الوطنية من أجل مصالحها الشخصية في سلوك أناني مطلق، لكن هذه الظاهرة الشائعة والمستحدثة عراقيا، أجدها لا تخلو من فوائد، لأنها أعطتنا مفاهيم ودلالات تكشفت في تجربة العراق ما بعد 2003، وأبرزها ما يلي؛ *إن ظاهرة الانتهازية السياسية تجلت وتكاملت أهدافها في أحزاب الإسلام السياسي الحاكمة، التي أعلنت عن حقيقة كونها أحزاب سلطة، ولم تتجذر في قواعد جماهيرية من طبقات وفئات الشعب العراقي، برغم امتلاكها المال والنفوذ، لكنها لا تمتلك فكراً سياسياً لإنتاج دولة ومجتمع قابل للوجود في محيطه الإقليمي والعالمي، بل زبائن للأحزاب بدرجات متفاوتة في نسق العلاقة معها، وفي القمة منها أنموذج السياسي الانتهازي. *شاركت الانتهازية السياسية في تعميق القطيعة بين الأحزاب والشعب، ومن هنا تجد أن نسبة المشاركة بالانتخابات لا تتجاوز ال20-25%، مما ينزع عنها الشرعية الاجتماعية والعرفية، ويضعها في عزل حقيقية، لا يشفع معها صور التجمعات الجماهيرية التي تحضر في المناسبات السياسية والدينية والانتخابية لتستمع إلى خطاب زعيم الحزب أو التيار، وهو يعلم أن حضور هذه الأعداد الزئبقية، تعبير عن خدمة إعلانية مدفوعة الثمن! *الشيء الآخر المهم، أن سلوك الانتهازية السياسية قد تحول من طابع سلوكي معروف لمجموعة من الأشخاص (تجار وسياسيين وشيوخ عشائر ورجال دين)، الطفيليين الذين يلاحقون السلطة من أجل مصالحهم الشخصية، إلى سلوك أحزاب وتيارات وفصائل تصميم وجودها ونهجها بتعانق مع مشروع الطفيلية السياسية، من خلال ممارستها دور الاستلاب في موارد الدولة، ومبدأ حصص العوائد من العقود بإدارة لجانها الاقتصادية، ونجدها تتسابق بدعم الحكومة ورئيسها أو مناوئتها وتسقيط رئيس الوزراء إعلاميا، وفقا لمصالحها ورصيد فوائدها المالية التي تستحصلها من الحكومة بصفة عقود أو صفقات تجهيز، أو الحصول على مواقع وظيفية فعالة في دوائر ومؤسسات وهيئات ذات تماس مع واردات الدولة في ظل غياب نظام الأتمتة، ما يجعلها تغرف من المال العام كيفما تشتهي! *تفكيك منظومات الإسلام السياسي!الانتهازية السياسية وغياب فكر وبرامج بناء الدولة والمجتمع، وتركيز فاعلية واهتمام أحزاب الإسلام على مشروع السلطة، وليس بناء مؤسسات دولة تتماشى مع تطور مفهوم الدولة في النظام الديمقراطي، وانتقال هذه الأحزاب من التأييد للدور الأمريكي، إلى الانتقال إلى الحضن الإيراني، وهي ضرب من انتهازية أحزاب الإسلام السياسي، دفع بالوحدة الصلدة لمنظومات الأحزاب الشيعية والسّنية إلى التفكك، قبل عشرين سنة تقريبا دخلت الكتلة الشيعية الانتخابات الأولى موحدة بجميع عناوينها الفرعية، كذلك فعلت الكتلة السنية، لكن في الدورة الثانية من الانتخابات انقسم الشيعة أي كتلتين، كذلك السنية، وفي الثالثة أصبحت ثلاث كتل ومثلهم السنة، وفي الرابعة أصبحوا خمس كتل وكذلك السنة، وفي الخامسة دخل الشيعة بعشرة أحزاب وكتل رئيسة وهناك أحزاب ثانوية، وكان الصراع على أشده، وانتهى بقتال دموي، راح ضحيته نحو خمسين شابا صدريا، أما الانتخابات المقبلة في 11 تشرين ثاني 2025، فإن الأحزاب والتيارات الشيعية أكثر انقساما وعداءً فيما بينها، بل وصلت للازاحات والتهديد بالإقصاء وفضائح سياسية بكشفها كل طرف ضد الآخر، ضرب تحت الحزام والتهديد بالقضاء وغير القضاء، وما يحدث في الصفحة الشيعية، يقابله بذات النسقية في الصفحة السنية! تفكيك يعري المنظومات الحاكمة، وينزع عنها شرعيتها الأخلاقية، ويجسد ضعفها وطفيلية وجودها اجتماعياً. خلاصة القول إن الانتهازية السياسية، مرض طفيلي سيئ وخطير اجتماعي وأخلاقي، ومن أجل مصالحها تنضح عنها سلوكيات شاذة، وأخرى لا تتردد أن تكون إجرامية، كما في الترويج للطائفية والعنصرية والمناطقية وغيرها، لكنها تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل هي أن الأحزاب السياسية الحاكمة التي رحبت بهذه الفئة الطفيلية ورعتها، هي الأخرى طفيلية الوجود، وسوف تزول عندما تنهض سلطة وطنية تمثل مصالح الوطن والمواطن، وبالتطبيق الصارم للقانون تشطب على وجود هذه الأحزاب الطفيلية ومنتجاتها بعد محاسبتها على هدر ثروة وكرامة الشعب والوطن. |


