في زمنٍ تتكلّم فيه البنادق بلغة الحديد، وتتنافس الشاشات على الضجيج، اختارت المقاومة في لبنان أن تصمت.
ليس صمت الضعف، بل صمت الواثق الذي يَعرف أن الريح لا تُسقط الجبال، وأن الأجل وحده كفيلٌ بأن يحرس الطريق نحو المصير.
ومن بين هذا الصمت، خرج الشيخ نعيم قاسم في مقابلةٍ مع الإعلامي عماد مرمل ليقول الكثير… دون أن يقول كلّ شيء.
ظهرَ بملامح القائد الذي يزن الكلمات بميزان التجربة، ويتحدث بلسان التاريخ لا الساعة.
كانت المقابلة أكثر من حوارٍ سياسي؛ كانت بيانًا صامتًا عن مرحلةٍ تُعيد فيها المقاومة تعريف علاقتها بالزمن والخصوم والحلفاء معًا.
المقابلة: حديث الواثقين لا القلقين
في الحوار، لم يرفع الشيخ صوته، ولم يلوّح بيده، بل تحدث ببرودٍ استراتيجيّ كمن يقول للعدو:
“نحن هنا، لا نحتاج إلى الصراخ كي نُسمِع.”
تناول ملفات الحرب والردّ والمرحلة المقبلة، لكنه كان ينتقي كلماته كما ينتقي القائد توقيت إطلاق الصاروخ.
كل جملةٍ كانت تحمل احتمالين، وكل وقفةٍ بين كلمتين كانت موقفًا سياسيًا محسوبًا.
لم يُعلن موعد الانفجار، لكنه أوحى بأن النار لم تنطفئ بعد.
لم يهدد، بل ترك التهديد في الهواء، يلتقطه من يفهم اللغة الصامتة.
تحدث عن الداخل اللبناني المثقل بالجراح الاقتصادية، وعن أصواتٍ نشازٍ تحاول تجريم الصبر لا العدو، وعن إعلامٍ يستسهل التلميح ضد من يحمي الحدود.
ثم قال بثقةٍ تشبه الإيمان:
“الضغوط لن تغيّر وجهتنا، لأننا لا نقاتل من أجل مكسب، بل من أجل معنى.”
الغموض البنّاء: حين يصبح الصمت تكتيكًا
لم يكن الغموض الذي طغى على المقابلة تردّدًا أو خوفًا، بل خطة مدروسة بعناية.
ذلك ما يمكن تسميته بـ«الغموض البنّاء»
فنّ أن تقول ما يكفي لتُقلق، وتكتم ما يكفي لتربك.
هو تكتيكٌ جديد في مرحلة ما بعد الحرب:
أن تُربك العدو بالصمت أكثر مما كنت تُربكه بالصوت،
أن تُشعل الحيرة في رأسه بدل أن تُشعل الميدان.
فحين تصمت المقاومة، يتحرك العدو بأعصابه لا بخططه،
وحين لا تُفصح عن نياتها، يضطر إلى مراقبة الظلّ بدل الهدف.
هذا الغموض ليس هروبًا من المواجهة، بل إعادة تعريفٍ للردع:
ردعٌ لا بالنار وحدها، بل بالاحتمال… وبالخوف من المجهول.
الشيخ نعيم قاسم: الوجه الهادئ للعاصفة
وُلد الشيخ نعيم قاسم في بيروت عام 1953، بين أزقّةٍ كانت تبحث عن معنى الوطن.
درس الكيمياء، لكنه اختار أن يُجري تفاعلاته في مختبر الأمة لا في المختبر الجامعي.
جمع بين العلم والدعوة، بين الفكر والميدان، فصار يرى السياسة كما يرى العالمُ المعادلات: كل خطوة لها معادل، وكل انفجارٍ له توقيتٌ محسوب.
منذ انطلاقة المقاومة، كان واحدًا من مهندسي وعيها الأوائل،
وشريكًا في صياغة نهجها العقائدي والسياسي.
واليوم، بصفته الأمين العام للمقاومة في لبنان، يظهر كصوتٍ متّزنٍ في زمن الضجيج،
كمن يُخفي في سكونه زئيرَ معركةٍ لم تبدأ بعد.
بين صبر الرجال وغفلة العدو
منذ توقّف العدوان الأخير الذي دام ستةً وستين يومًا، يعيش الجنوب اللبناني على حدود النار والانتظار.
العدوّ يظنّ أن الصمت ضعف، والمقاومة تعلم أنه قوة في هيئة سكون.
العدو يُطلق الطائرات في السماء، بينما تُطلق المقاومة الوقت في وجهه كقنبلةٍ مؤجّلة.
في الداخل، ترتفع الأسئلة: “إلى متى الصبر؟”
لكن المقاومة تعرف أن الصبر ليس انتظارًا، بل تدريبٌ على النصر.
وأن الصمت ليس خوفًا، بل إعدادٌ للمفاجأة الكبرى.
العوامل الاقتصادية، الضغوط الدبلوماسية، الحرب الإعلامية ،تجتمع لتُثقِل الكتف المقاوم،
لكن الكتف الذي حمل البندقية في أحلك الليالي لا تهزّه بيانات السفراء ولا قنوات التمويل.
فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على المعنى نفسه:
من يملك الحقّ في تعريف الشجاعة… ومن يملك الصبر على التاريخ؟
الخاتمة: حين يحرس الأجل الطريق
«كفى بالأجل حارسًا» — عبارةٌ تختصر المرحلة كما تختصر فلسفة الصبر المقاوم.
فالمقاومة في لبنان لا تستعجل الردّ، لأنها تعرف أن الزمن، مهما طال، يعمل لصالح من يزرع في أرضه إيمانًا.
إنها تترك للأجل مهمة الحراسة، وللميدان مهمة البرهان.
صبرُها ليس سكونًا، بل فعلٌ متقد في عمق الظلّ.
وغموضُها ليس التباسًا، بل هندسةُ خوفٍ في عقل العدوّ.
وحين يأتي الوقت — كما يعرف من يقرأ التاريخ — لن تكون المفاجأة في الحدث،
بل في التوقيت الذي يختاره القدر المقاوم ليقول كلمته.
فكفى بالأجل حارسًا…
وكفى بالصبر جسرًا نحو النصر.


