من المسؤول…

من المسؤول...
يعاني التعليم في العراق من انهيارٍ شاملٍ بسبب نقص الأبنية وتسييس المؤسسات وتخلّف المناهج عن العصر الرقمي. إصلاح المنظومة يتطلّب ثورةً تربويةً حديثةً تُعيد للمدرسة مكانتها وللمعلّم هيبته وللأجيال حقّها في المعرفة....

تعيش المدارس العراقية اليوم واقعاً مأساوياً يعكس حجم الإهمال الحكومي والتضارب السياسي الذي انعكس بشكل مباشر على مستقبل الأجيال القادمة. فبين نقص الأبنية المدرسية وازدحام الصفوف وتردي الخدمات التربوية والتعليمية، أصبح الطالب العراقي الضحية الأولى لسياسات متراكمة لم تستطع الحكومات المتعاقبة معالجتها بصورة جذرية.

أزمة الأبنية المتهالكة والدوام الثلاثي

مدارس الطين لا تزال قائمة في عدد كبير من المحافظات، رغم مرور أكثر من عقدين على وعود الإعمار. والدوام الثلاثي بات مشهداً مألوفاً في مدن عديدة، حيث يتناوب الطلبة على مقاعد الدراسة كما يتناوب العمال على خطوط الإنتاج، في مشهد يختصر مأساة التعليم. هذا الواقع سببه النقص الحاد في الأبنية، وغياب خطط تنموية تراعي التوسع السكاني المتسارع، فضلاً عن غياب الرؤية التخطيطية التي تربط التعليم بالتنمية الوطنية الشاملة. إن بناء المدارس اليوم لم يعد ترفاً عمرانياً، بل ضرورة اجتماعية لضمان مستقبل العراق العلمي.

مناهج جامدة في زمن الرقمنة

أما المناهج الدراسية، فهي الأخرى مثقلة بالتكرار والقدم، ولا تواكب المتغيرات العلمية والتكنولوجية التي يشهدها العالم. في وقت تتسابق فيه الأمم نحو التعليم الرقمي والتفاعلي، ما زال الطالب العراقي يتعامل مع كتب ورقية منهكة وصور قديمة لمعارف تجاوزها الزمن. لقد أصبح التعليم في العراق معزولاً عن الثورة التقنية، لا معامل علمية حقيقية، ولا مختبرات رقمية قادرة على تحفيز الإبداع. والمفارقة أن الطلبة العراقيين يبدعون في الخارج عندما تتاح لهم بيئة تعليمية حديثة، مما يؤكد أن الخلل في النظام لا في الإنسان.

صراع الصلاحيات وتسييس التعليم

ويشير مختصون في الشأن التربوي إلى أن تداخل الصلاحيات بين وزارة التربية والحكومات المحلية وضع التعليم في دائرة التجاذب السياسي. فالتعيينات في المؤسسات التربوية أصبحت تخضع للمحاصصة الحزبية أكثر مما تخضع لمعايير الكفاءة والمهنية. ونتيجة لذلك، توزعت الموازنات المالية وفق الولاءات السياسية لا وفق الحاجة الفعلية، مما تسبب بحرمان مناطق واسعة من أبسط المستلزمات الأساسية كالمقاعد والسبورات والمختبرات العلمية. وهكذا تحولت المدرسة إلى ساحة نفوذ حزبي بدلاً من أن تكون مؤسسة لبناء العقول.

غياب التخطيط الإستراتيجي والمساءلة

يحمل أولياء الأمور الحكومة المركزية المسؤولية الكاملة عن انهيار المنظومة التعليمية، لأنها لم تضع خططاً استراتيجية طويلة الأمد للنهوض بالقطاع التربوي، ولم تخصص ميزانيات كافية تتناسب مع أهمية التعليم في بناء الدولة الحديثة. وفي المقابل، يرى آخرون أن مجلس النواب يتحمل جزءاً من هذا التراجع لأنه لم يمارس دوره الرقابي الحقيقي على أداء وزارة التربية، ولم يحاسب المقصرين الذين تسببوا بإهدار مليارات الدنانير دون أثر ملموس على أرض الواقع. إن غياب المحاسبة جعل الفشل عادة، لا استثناء.

معاناة الطلبة والمعلمين على حد سواء

الطلبة يعيشون اليوم بين معاناة المباني المتهالكة وشح القرطاسية وضعف المناهج، في ظل غياب الأنشطة اللاصفية التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من تكوينهم النفسي والثقافي والاجتماعي. وفي الجانب الآخر، يطالب المعلمون بتحسين رواتبهم وظروفهم المعيشية، بينما يضطر كثير منهم للعمل في أكثر من مدرسة لسد احتياجاتهم، ما ينعكس سلباً على عطائهم داخل الصف ويؤدي إلى إنهاكهم بدنياً ومعنوياً. ومع غياب الحوافز وتراجع هيبة المعلم، تضيع القيم التي قامت عليها المدرسة العراقية يوماً ما.

نحو ثورة تعليمية حقيقية

ويبقى السؤال مفتوحاً: من المسؤول الحقيقي عن تردي أوضاع مدارس العراق؟ هل هو الإهمال الحكومي، أم الصراع السياسي، أم الاثنين معاً؟ المحصلة واحدة: جيل يواجه مستقبلاً غامضاً وسط وعود لا تتحقق وخطط تبقى حبراً على ورق.

إن العراق اليوم بحاجة إلى ثورة تعليمية حقيقية تعيد بناء المدرسة العراقية على أسس حديثة، تعتمد الجودة لا الكم، وتؤهل المعلم وتطور المناهج وتعيد الثقة بالمؤسسة التربوية كمنبر للعلم لا كإدارة بيروقراطية. كما يجب إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في دعم التعليم، وتبني مبادرات لبناء مدارس حديثة واستخدام التعليم الإلكتروني في المناطق النائية. فبالعلم تُبنى الأمم، وبالمدرسة يبدأ الإصلاح، وبالمسؤولية المشتركة يمكن إنقاذ الأجيال من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *