رغم تحذير خبراء المياه من أن هذا التوجه سيضعف موقف العراق التفاوضي مع تركيا – إن وُجد التفاوض أصلًا – إلا أن السبب المباشر هو مشكلة الملوحة والملوثات التي وصلت إلى مستويات قياسية في البصرة، وهذا أمر معلوم. فصار الحل أن تُسحب المياه من الكوت لكونها أقل تلوثًا وملوحة، لكن هذا الحل واجه صعوبات بسبب طول المسار واحتمال حصول تجاوزات عليه.
بدائل محدودة وحلول مكلفة
كان الحل التقليدي الثاني يقوم على إطلاق كميات مياه أكبر لتخفيف الملوحة والتلوث، إلا أن هذا الخيار أصبح غير متاح اليوم، فتم اللجوء إلى التحلية سواء لمياه الخليج أو مياه النهر أو شط العرب. لكن السبب الحقيقي – الذي لا يُذكر غالبًا – هو أن تلوث نهري دجلة والفرات سببه مياه المجاري والبزل وارتفاع الملوحة القادمة من تركيا وإيران، وهو أمر معلوم.
التحلية بين الواقع والتحدي السياسي
غير المعروف أن معالجة مشكلة المجاري تحتاج إلى شبكات صرف صحي وقنوات ناقلة ومحطات معالجة، وهذه العملية تتطلب نحو 57 مليار دولار ومدة تنفيذ تمتد من 2015 إلى 2035، كما هو موضح في الصورة المرفقة. وزارة الموارد نجحت في إصدار تعميم من الأمانة العامة بعدم إدراج أي مشروع مجاري إذا لم تكن هناك محطة معالجة، لكن هذا الإجراء قد يتغير أو لا يُطبق فعليًا.
هل هذه الأموال كبيرة؟ بالتأكيد كبيرة، لكنها يمكن توفيرها لو أُعطيت أولوية.
ولماذا لا تُعطى أولوية؟
لأن العراق حسب استراتيجية الطاقة (INES 2013–2030) يحتاج إلى 630 مليار دولار لقطاع الطاقة (النفط والكهرباء)، كما هو موضح في الرابط: https://t.me/update_GIS/305
ولهذا يقول البعض: “ننشئ محطة معالجة بتكلفة 3 مليارات دولار وتُنجز في سنتين”، وهي وجهة نظر مقبولة لأن الصحة أولوية، ومياه الشرب أهم بعد الهواء.
إن أزمة المياه في العراق لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت قضية سيادية تمس الأمن الوطني والاقتصادي. فالتبعية المائية لأي دولة مجاورة تقلل من استقلال القرار العراقي في ملفات التنمية والطاقة والزراعة. لذا فإن التحلية، رغم كلفتها العالية، قد تُعد خيارًا استراتيجيًا مؤقتًا لتأمين المياه الصالحة للشرب، لكنها لا تُغني عن إصلاح شامل للبنى التحتية وتشريع قانون صارم يحمي نهري دجلة والفرات من التلوث والاستنزاف. إن الاستثمار في البنية المائية لا يقل أهمية عن الاستثمار في النفط، لأنه استثمار في الحياة ذاتها وضمان لاستقرار الأجيال القادمة. كما أن تبني رؤية مائية وطنية موحدة سيمنح العراق قوة تفاوضية أكبر مع دول الجوار ويعيد التوازن لموارده الطبيعية.
وماذا بعد ذلك؟
المشكلة تحتاج إلى تشريع يُحدّث القانون القديم لسنة 1967 الخاص بالملوثات. نحن بحاجة إلى “قانون حماية دجلة والفرات”، لا مجرد مبادرة أو حملة. يجب أن يشمل القانون الملوثات والتجاوزات والترسبات وتعرفة الزراعة والشرب وخط الانغمار. فالمشكلة قائمة الآن في البصرة، وبعد سنة أو سنتين قد تنتقل إلى الناصرية والمثنى وربما تصل إلى الكوت. وكلما تأخرنا أصبحت الحلول أكثر تكلفة ماليًا وماديًا وبشريًا.


