نخبة في القاعة وعقوبات في الواقع من يصنع القرار النقدي في العراق؟

نخبة في القاعة وعقوبات في الواقع من يصنع القرار النقدي في العراق؟
يكشف النص فجوة بين الخطاب الإصلاحي للبنك المركزي والواقع المصرفي الخاضع للعقوبات، داعياً إلى شراكة حقيقية مع مراكز البحث، وشفافية في إدارة المنصة الدولارية، وإصلاح هيكلي يعيد الثقة بالنظام النقدي العراقي....

من “ملتقى الباحثين” إلى “تلّ التخبط”: بين الخطاب الإصلاحي للبنك المركزي وواقع النظام المالي المقيّد بالعقوبات.

في الوقت الذي يؤكد فيه محافظ البنك المركزي العراقي، علي محسن العلاق، خلال لقائه نخبة من الباحثين العراقيين العاملين في المراكز الدولية، على أهمية الإصلاحات المصرفية وتعزيز الاستقرار المالي، يعيش الواقع المصرفي العراقي حالة من التناقض الصارخ بين الخطاب المعلن والنتائج الفعلية.

فبينما يُطرح مفهوم “الشراكة بين المؤسسات النقدية والبحثية” كمدخل لصناعة القرار الرشيد، تتوالى القرارات الأميركية والعقوبات المالية التي تطال المصارف العراقية، فيما يبقى أثر الإصلاحات محدودًا، وأداء السوق النقدية هشًّا أمام ضغط الدولار.

الخطاب الإصلاحي مقابل الواقع الإجرائي

منذ مطلع عام 2023، أعلن البنك المركزي عن سلسلة من الإصلاحات البنكية تحت عنوان “تعزيز الشفافية وتوحيد القنوات الرسمية للتحويلات الخارجية”، إلا أن التطبيق العملي أفرز نتائج عكسية:

  • تقلصت قدرة المصارف الأهلية على الوصول إلى المنصة الرسمية للتحويلات، لتتراجع نسبة المصارف المشاركة من نحو 72 مصرفاً إلى أقل من 45 مصرفاً فعلياً بنهاية الربع الثالث من 2025.
  • في المقابل، ارتفعت كلف التحويلات الخارجية بنسبة تجاوزت 18% وفق بيانات غرفة تجارة بغداد، بسبب الإجراءات الرقابية الأميركية المتزايدة.

هذه الأرقام تكشف أن الخطط “الإصلاحية” ما زالت تُدار بعقلية ردّ الفعل، لا برؤية نقدية – مالية مؤسساتية متكاملة.

النخب البحثية في مواجهة عزلة القرار

يُفترض أن اللقاء بين البنك المركزي ونخبة الباحثين العراقيين الدوليين يمثّل خطوة باتجاه بناء جسر بين الفكر المالي وصانع القرار النقدي، غير أن الواقع يشير إلى أن العلاقة بين المؤسستين – البحثية والتنفيذية – ما زالت شكلية:

لم تصدر عن البنك المركزي لغاية الآن ورقة سياسات علمية مشتركة مع أي مركز بحثي وطني أو دولي.

أغلب الاستراتيجيات النقدية المعتمدة لا تتضمن مؤشرات قياس علمية للنجاح (Key Performance Indicators).

ما زالت المؤسسات المالية العراقية تعتمد على البيانات الوصفية لا التحليلية، في حين أن مراكز التفكير الحديثة تعتمد على نماذج محاكاة الاقتصاد الكلي (Macroeconomic Simulation Models) لتقييم القرارات.

العقوبات المالية.. إنكار رسمي وواقع مؤلم

في الوقت الذي تؤكد فيه وزارة الخزانة الأميركية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) إدراج عدد من المصارف العراقية على لوائح المراقبة أو الحظر الجزئي، ما زال الخطاب الرسمي يكرر عبارة: “لا توجد عقوبات، بل مجرد حرمان من المنصة”.

لكن الواقع المالي يروي غير ذلك:

حجم التحويلات الدولارية عبر المنصة انخفض من 250 مليون دولار يومياً في منتصف 2023 إلى ما دون 110 ملايين دولار في تشرين الأول 2025.

نسبة الطلب التجاري الفعلي المغطى بالدولار الرسمي لا تتجاوز 40% من إجمالي احتياجات السوق، ما يعني أن السوق الموازية تغطي أكثر من 60% من النشاط التجاري بالدولار النقدي.

هذه الفجوة ولّدت فارق سعر صرف تجاوز 12% بين السوق الرسمية والموازية، وأضعفت القدرة الشرائية للمستهلك العراقي بنسبة 8% خلال عام واحد فقط.

التخبط المؤسسي وفقدان الثقة

ما يزال الخطاب الرسمي يكرر مفردات مثل “الاستقرار المالي” و”الالتزام بالمعايير الدولية”، في حين تُظهر المؤشرات أن البيئة المالية تسير نحو مزيد من الانكماش النقدي:

انخفاض الإيداعات في المصارف الأهلية بنسبة 22% مقارنة بالعام الماضي.

خروج ما يزيد على 8 مليارات دولار من التداول المصرفي إلى التداول النقدي (الكاش) بسبب انعدام الثقة.

تعطّل أكثر من 25 مصرفاً عن أداء وظائفه التشغيلية، وبعضها مهدد بالتصفية أو فقدان الترخيص الفعلي.

هذه المؤشرات تُظهر أن النظام المصرفي العراقي يعيش أزمة هيكلية لا ظرفية، وأن الإصلاح يحتاج إلى أدوات علمية تتجاوز الخطاب الإعلامي.

المطلوب – شراكة حقيقية لا رمزية

إذا أراد البنك المركزي أن يحوّل مثل هذه اللقاءات إلى رافعة مؤسسية للإصلاح، فلابد من:

1.تأسيس وحدة تفكير استراتيجي (Think Tank) داخل البنك، تضم خبراء اقتصاديين محليين ودوليين.

  1. إلزام المصارف بخطط إصلاح رقمية ومالية قابلة للقياس خلال مدد محددة.

3.الشفافية في إعلان نتائج المنصة الدولارية والعقوبات الأميركية للرأي العام بشفافية، بدلاً من الإنكار أو التعتيم.

4.بناء قاعدة بيانات اقتصادية مشتركة مع مراكز البحث الوطنية لدعم القرار النقدي.

لقاء المحافظ مع الباحثين خطوة رمزية مهمة، لكنها تبقى مجرد عنوان جميل إذا لم تُترجم إلى إرادة نقدية إصلاحية واقعية.

فالعراق لا يعاني من غياب النخب، بل من تهميشها في مواقع القرار.

ولا يعاني من العقوبات فحسب، بل من الإنكار الرسمي لها.

وما زال كثيرون، كما يقال في الشارع العراقي، “على التل” ينتظرون إصلاحاً لا يأتي، فيما الاقتصاد الوطني يتآكل تحت ضغط الدولار، ويقف النظام المالي على حافة “تل التخبط”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *