لست من مؤيدي أحمد ملا طلال، كما أنني لست من المعارضين له.
لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى القضية بعيداً عن الاصطفافات السياسية،
وبعيداً عن محاولات تحويل الإعلام إلى منصة للتصفيق والتطبيل للسلطة.
فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بشخص إعلامي واحد، بل بالسؤال الأوسع: هل نريد إعلاماً يراقب وينتقد ويسأل،
أم نريد إعلاماً يتحول إلى نشرة حكومية دائمة لا تسمح إلا بالرأي الواحد والصوت الواحد؟
الإعلام المختلف ليس جريمة
قد يختلف الناس مع أحمد ملا طلال، وقد يتفقون معه. وقد يرى البعض في برنامجه جرأة مطلوبة، بينما يراه آخرون حاداً أو منحازاً أو مزعجاً.
لكن الخلاف مع إعلامي أو برنامج لا يبرر تحويل النقد إلى جريمة، ولا يجعل من الإعلام المختلف خطراً على الدولة.
فأنا أجد في هذا النوع من البرامج فسحة حرية افتقدها كثير من العراقيين في الإعلام الرسمي أو القريب من السلطة.
وهذه الفسحة، مهما كانت محدودة أو مثيرة للجدل، تبقى ضرورية في أي نظام يدّعي الديمقراطية والتعددية.
من المتحدث الحكومي إلى الإعلام النقدي
عرف العراقيون أحمد ملا طلال في مرحلة سابقة متحدثاً باسم الحكومة،
ثم عاد إلى المشهد العام عبر برنامج واسع الانتشار يتناول قضايا تمس حياة المواطنين وهمومهم اليومية.
وهذا التحول بحد ذاته يستحق القراءة. فالرجل لم يغادر المجال العام حين اختلف مع مراكز القرار،
بل عاد إلى الجمهور من بوابة إعلامية مختلفة، تطرح الأسئلة، وتلامس ملفات الخدمات، والفساد، والسلطة، والشارع.
قد لا يكون البرنامج مثالياً، وقد يحتاج إلى نقاش مهني في بعض حلقاته أو أساليبه،
لكن حجم المشاهدة والتفاعل يؤكد أنه يعبّر عن شريحة من الرأي العام تبحث عن خطاب مختلف عن الخطاب الرسمي.
المشكلةليست في أحمد ملا طلال
المشكلةالحقيقية ليست في أحمد ملا طلال، ولا في أي إعلامي آخر.
المشكلة في العقلية التي تريد من الإعلام أن يكون تابعاً للسلطة، لا رقيباً عليها.
هذه العقلية لا تقبل النقد إلا إذا كان موجهاً إلى خصومها،
ولا تؤمن بحرية التعبير إلا حين تخدم مصالحها، ولا ترى في الإعلام وظيفة رقابية، بل تراه أداة تعبئة وتلميع وتبرير.
وهنا يصبح السؤال ضرورياً: لماذا يخاف المطبلون من الإعلام المختلف؟ ولماذا يزعجهم صوت لا يردد ما يقولونه؟
الديمقراطية تُقاس بتحمل النقد
الديمقراطية لا تُقاس بعدد القنوات التي تمدح السلطة،
ولا بعدد البرامج التي تكرر خطاب المسؤولين،
بل بقدرة الدولة على تحمل النقد والاستماع إلى الآراء المخالفة، حتى حين تكون حادة أو مزعجة.
فالدولة القوية لا تخاف من سؤال إعلامي، ولا تهتز من برنامج تلفزيوني،
ولا تحتاج إلى جيوش من المصفقين كي تثبت شرعيتها.
أما الدولة التي تعتبر كل نقد تهديداً، وكل رأي مختلف مؤامرة،
وكل إعلامي مستقل خصماً، فهي تعترف عملياً بأن ثقتها بنفسها ضعيفة.
المحاسبة تكون بالقانون لا بالاصطفاف
إن محاسبة أي إعلامي أو برنامج يجب أن تكون على أساس القانون والمعايير المهنية الواضحة،
لا على أساس المواقف السياسية أو درجة القرب والبعد من أصحاب القرار.
إذا وقع تجاوز قانوني، فهناك مؤسسات مختصة وقضاء قادر على الفصل.
وإذا وقع خطأ مهني، فهناك ضوابط إعلامية ومهنية يمكن الاحتكام إليها.
أما تحويل كل رأي مختلف إلى تهمة، وكل نقد إلى تحريض،
وكل سؤال إلى إساءة، فهو طريق يقود إلى تكميم الأفواه، لا إلى إصلاح الإعلام.
بين النقد والتخوين
من أخطر ما يواجه الإعلام في العراق هو الخلط المتعمد بين النقد والتخوين.
فكل من ينتقد الحكومة يُتهم بأنه يستهدف الدولة.
وكل من يفتح ملف فساد يُتهم بأنه يسيء إلى البلد.
وكل من يمنح مساحة لصوت مختلف يُتهم بأنه يخدم أجندات خارجية.
هذا الخلط خطير لأنه يحمي الفشل باسم الوطنية،
ويحمي الفساد باسم الاستقرار، ويحمي العجز باسم هيبة الدولة.
والحقيقة أن هيبة الدولة لا تُحمى بإسكات الإعلام،
بل بحسن الإدارة، ومحاسبة الفاسدين، وتقديم الخدمات، واحترام القانون.
المطبلون وخوفهم من المرآة
من المفارقات أن بعض الأصوات التي تتحدث اليوم عن المهنية والحياد لم تُعرف إلا بالدفاع المستميت عن الحكومات المتعاقبة وتبرير إخفاقاتها.
هؤلاء لا ينزعجون من الإعلام لأنه غير مهني فقط، بل لأنه يكشف ما يريدون إخفاءه.
لا يخافون من الخطأ الإعلامي بقدر ما يخافون من المرآة التي تضع السلطة أمام صورتها الحقيقية.
فالإعلام المختلف يربك المطبلين لأنه يسحب منهم احتكار الرواية.
وهم يريدون للمواطن أن يسمع صوتاً واحداً، وأن يرى زاوية واحدة،
وأن يقتنع بأن كل أزمة مجرد سوء فهم، وكل فشل مجرد ظرف طارئ، وكل فساد مجرد حالة فردية.
إعلام مسؤول نعم.. إعلام خائف لا
العراق اليوم بحاجة إلى إعلام مسؤول، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى إعلام حر.
الإعلام المسؤول لا يعني الإعلام الخائف، ولا الإعلام المطيع،
ولا الإعلام الذي يزن كل كلمة وفق مزاج السلطة.
الإعلام المسؤول هو الإعلام الذي يتحقق من المعلومات،
ويفصل بين الرأي والخبر، ويحترم القانون،
لكنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن وظيفته الرقابية، ولا يتنازل عن حقه في السؤال والمساءلة.
أما الإعلام الذي لا يزعج السلطة، ولا يراقب أداءها،
ولا يفسح المجال للنقد، فإنه يفقد أهم وظائفه، ويتحول إلى أداة دعائية مهما كانت الشعارات التي يرفعها.
المشاهد العراقي ليس قاصراً
في النهاية، يبقى الحكم الحقيقي للمشاهد العراقي.
فالمواطن العراقي ليس قاصراً يحتاج إلى أوصياء يقررون عنه ماذا يشاهد وماذا يفكر.
هو قادر على التمييز بين الرأي والمعلومة،
وبين النقد المسؤول والدعاية السياسية، وبين البرنامج الجاد والخطاب الاستعراضي.
ومن يريد حماية المجتمع فعلاً، فليمنحه إعلاماً متعدداً، لا إعلاماً موجهاً.
وليترك له حق الاختيار، لا أن يصادر وعيه باسم المصلحة العامة.
حرية الإعلام مصلحة للدولة
حرية الإعلام ليست خطراً على الدولة، بل مصلحة لها.
فالإعلام الحر يكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة، وينقل صوت المواطن قبل أن يتحول الغضب إلى انفجار،
ويجبر المسؤول على الانتباه إلى ما لا يراه من داخل مكتبه.
أما الإعلام المصفق فيصنع وهماً مؤقتاً، ويمنح السلطة صورة مزيفة عن نفسها،
ثم يتركها تصطدم بالحقيقة عندما يصبح الإصلاح أصعب والغضب أكبر.
خاتمة
الأوطان لا يحميها المصفقون للسلطة، بل يحميها من يملكون شجاعة قول الحقيقة.
التطبيل يصنع وهماً مؤقتاً، أما النقد المسؤول فيصنع إصلاحاً دائماً.
ولذلك، فإن الدفاع عن حق أحمد ملا طلال أو غيره في النقد لا يعني تأييد كل ما يقوله،
ولا يعني منحه حصانة من المساءلة المهنية أو القانونية.
بل يعني الدفاع عن مبدأ أوسع: لا ديمقراطية من دون إعلام مختلف، ولا إصلاح من دون نقد، ولا دولة قوية تخاف من سؤال.
حين يصبح النقد جريمة، يصبح الصمت هو القانون.
وحين يتحول الإعلام إلى ترديد دائم لصوت السلطة، يفقد المواطن آخر نافذة يرى منها الحقيقة.


