بين حانة ومانه ضاعت الحلانه

بين حانة ومانه ضاعت الحلانه
يُظهر المقال تأثير المال السياسي ونفوذ المرشحين على الانتخابات العراقية، ويبرز غياب العدالة والمساءلة، مع تأكيد بدء تشكّل وعي شعبي قادر على مواجهة الفساد والمطالبة بحقوقه الانتخابية....

مثل شعبي قديم بات يختصر حال المشهد الانتخابي في العراق
حيث يتقاذف المرشحون أصوات الناخبين بين نفوذ المال وسلطة القرار وسط غياب واضح للعدالة الانتخابية…
التي يفترض أن تضمن المنافسة النزيهة في ظل ما تشهده الساحة من تحركات محمومة لبعض المرشحين …
الذين يوظفون المال السياسي للتأثير على إرادة الناس وتوجيه أصواتهم نحو جهات محددة عبر شراء الذمم …
وتوزيع المساعدات وكأن الانتخابات ساحة تجارة لا ميدان خدمة عامة…

المال السياسي يبتلع المشهد

الواقع الانتخابي اليوم يعاني من استغلال النفوذ والسلطة في أوسع صوره.
بعض المرشحين يدخلون السباق وهم محمّلون بإمكانات الدولة وعلاقاتها في الوزارات والمؤسسات، مستغلين مناصبهم السابقة أو مواقعهم الحالية في أجهزة الدولة للترويج لأنفسهم.
يُسخّر بعضهم وسائل الإعلام الحكومية، ويستعينون بشخصيات مؤثرة لتوجيه الرأي العام، فيما تبقى الكفاءات المستقلة عاجزة عن الوصول إلى المنصات أو حتى تأمين تغطية بسيطة لنشاطاتها.
تتحول الانتخابات بذلك إلى سباقٍ بين من يملك النفوذ ومن يملك الضمير، وغالبًا ما ينتصر النفوذ لأن المال في النهاية هو سيد اللعبة.

غياب العدالة وموت الأمل

وبين هذه الممارسات، تتشتت ثقة المواطن الذي يرى أن اللعبة محسومة مسبقًا لمن يملك المال والسلطة، فتضيع أصوات الناس بين وعود خادعة ومشاريع مؤجلة.
المواطن الذي كان ينتظر موسم الانتخابات ليعبّر عن رأيه بحرية، بات اليوم يراها مسرحًا مكررًا يُعاد فيه عرض الوجوه ذاتها والوعود ذاتها.
الناس فقدت الأمل بولادة طبقة سياسية جديدة قادرة على التغيير الحقيقي، لأن التجربة علمتهم أن من يشتري الصوت اليوم، سيبيع الوطن غدًا.

رقابة غائبة ومؤسسات صامتة

ومع اقتراب موعد الانتخابات تتزايد الشكاوى من استخدام المال السياسي في الحملات بصورة علنية دون أي رادع حقيقي.
الناس ترى بأعينها الإعلانات الضخمة والولائم والهبات التي تُقدَّم باسم “العمل الخيري”، وهي في حقيقتها دعاية انتخابية مبطنة.
ورغم وضوح هذه المخالفات، تبقى الجهات الرقابية في صمتٍ مطبق، وكأنها تتجاهل ما يجري.
يتساءل المواطنون: أين مفوضية الانتخابات؟ أين هيئة النزاهة؟ ولماذا لا تُحاسب من يوزع الأموال والمساعدات بشكل مخالف للقانون؟
غياب المساءلة يشجع الفساد ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويجعل من الديمقراطية واجهة شكلية تخفي تحتها منظومة مصالح متشابكة.

المواطن بين المطرقة والسندان

ويبقى المشهد الانتخابي محصورًا بين “حانه ومانه”، وتبقى “الحلانه” — أي المواطن البسيط — الخاسر الأكبر في لعبة المصالح السياسية.
الناخب يُستدرج بوعود وردية في موسم الانتخابات، ثم يُترك لمصيره بعد إعلان النتائج.
إنه يعيش بين مطرقة الفقر وسندان الكذب السياسي، محاصرًا بخطابات تتحدث عن الإصلاح بينما الواقع يزداد سوءًا.
حتى الخدمات الأساسية تحولت إلى أوراق انتخابية، تُقدَّم في موسم التصويت وتُسحب بعدها وكأنها هبة لا حق.

السؤال الصعب: من أين يأتي المال؟

الكتل السياسية التي تستخدم المال السياسي لدعاياتها الانتخابية لا تكشف مصادر تمويلها، في حين تتضخم ميزانيات الحملات بشكل لافت.
وهنا يكمن السؤال الحقيقي: من أين يأتي ذلك المال؟
ولماذا لا تتحرك الجهات الرقابية لمساءلة تلك الأحزاب؟
هل الخوف من نفوذها أقوى من سلطة القانون؟
إن بقاء هذه الأسئلة دون إجابة يعني أننا أمام عملية انتخابية تدار بالمال لا بالإرادة الشعبية، وأن من يملك المال هو من يكتب نتائج الانتخابات قبل أن تُجرى.

وعي عراقي يتشكل رغم الإحباط

لكن العراق اليوم ليس عراق الأمس؛ فالعراقي بات أكثر وعيًا وتمرسًا، وأصبح قادرًا على أن يجد لنفسه مخرجًا من تلك المتاهة السياسية التي عصفت بالبلد وأعادته إلى الوراء.
لقد خبر المواطن وعود السياسيين وذاق مرارة الخيبات، لذلك صار أكثر حذرًا وأشد انتقادًا.
ربما لم يتحقق التغيير بعد، لكن الوعي الشعبي بدأ يتراكم، ومعه الإصرار على كشف الفاسدين ومقاطعة المتاجرين بالوطن.
إنه وعيٌ قيد التشكل، يحتاج فقط إلى دعمٍ إعلاميٍ نزيه وبيئة قانونية تحمي صوته من التزوير والمال الأسود.

طريق البرلمان المعبد بالصفقات

نشاهد السياسيين اليوم بين التقاذف والتكالب، يبدّلون تحالفاتهم بسرعة، لكنهم يتشاركون الهدف ذاته: الوصول إلى قبة البرلمان.
لقد أصبحت هذه القبة مصدر رزق ونفوذ كبير، يتقاسمها من في السلطة كما لو كانت غنيمة.
أما المواطن، الذي يُفترض أن يكون صاحب القرار، فيبقى متفرجًا على مسرح السياسة، يدفع ثمن العروض من حياته اليومية ومعاناته المستمرة.

 

وبين حانة ومانه ضاعت الحلانه..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *