رغم الحصار والدمار والليل الطويل، تنهض غزة من تحت الركام، تنفض عنها غبار الحرب، وتعلن في وجه العالم أنها لم تُهزم. فكيف تُهزم مدينة لم تنم، لم تضعف، ولم تتخلّ عن أحلامها بالحرية؟ غزة اليوم لا تحتفل فقط بانتصار عسكري أو صمود ميداني، بل تنتصر بمعناها، بوجودها، بقدرتها على البقاء رغم محاولات الإبادة والصمت الدولي المخجل.
مدن لا تموت
غزة ليست مجرد جغرافيا ضيقة محاصرة من الجهات الأربع، بل هي فكرة، قضية، وضمير حيّ في زمن ميت. على مدار الشهور الماضية، واجهت غزة أعنف عدوان عسكري، حيث اختلطت رائحة البارود بدماء الأطفال، وسُوّيت أحياء كاملة بالأرض، ودفنت عائلات تحت أنقاض منازلها. ومع ذلك، لم تُرفع الرايات البيضاء، ولم تهتزّ راية المقاومة، بل خرج الناس من تحت الأنقاض يرددون: “لن نرحل، لن ننكسر.”
صمود بلا حلفاء رسميين
في ظل تخاذل كثير من الأنظمة، وغضّ العالم الطرف عن المجازر، وقفت غزة وحدها في الميدان، تدفع الثمن وحدها، وتحمل راية القضية وحدها. لكن على الجانب الآخر، كانت هناك قوى مقاومة صادقة، خارج الحسابات السياسية التقليدية، تقف مع غزة، تُنسّق، وتُساند، دون بهرجة إعلامية أو شروط مذلة.
جبهة واحدة في وجه العدو
في هذه الحرب كما في سابقاتها، برز دور محور المقاومة كداعم استراتيجي وميداني لصمود غزة، وعلى رأسه حزب الله اللبناني، الذي لم يغب يوماً عن ميادين المواجهة، لا قولاً ولا فعلاً. وقد شكّلت تصريحات السيد الشهيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، مصدر دعم معنوي كبير لشعب غزة، ووجهت رسائل حازمة للعدو بأن فلسطين ليست وحدها، وأن العدوان على غزة يُفتح أبواب المواجهة الإقليمية الشاملة.
لقد قدّم حزب الله خلال السنوات الماضية آلاف الشهداء وعلى رأسهم الأمينان العامان، السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين وخيرةٌ من قادة الصف الأول في معاركه ضد العدو الصهيوني، وكان ولا يزال يرى في تحرير فلسطين قلب مشروعه المقاوم. أما السيد الشهيد حسن نصر الله، فرغم محاولات التشويه والحصار الإعلامي، لا يزال يحظى بثقة الأحرار في الأمة، لأنه لم يبدّل ولم يساوم، بل رفع راية القدس بدمائه الطاهرة في كل لحظة، وأكد مراراً أن أي انتصار في غزة هو انتصار لكل محور المقاومة.
وبينما تُجاهر بعض العواصم بالتطبيع، وتشيح بوجهها عن دماء الأطفال، كانت المقاومة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران ترسل الرسائل بأن الزمن تغيّر، وأن الكيان لم يعُد يستطيع أن يشنّ عدواناً دون أن يفتح على نفسه أكثر من جبهة.
الانتصار الحقيقي
الانتصار ليس فقط في نجاة المقاومة من المحو، أو في وقف إطلاق النار، أو في فشل العدو في تحقيق أهدافه. الانتصار هو أن تبقى غزة رغم كل شيء. أن يعود الأطفال للمدارس المدمرة، أن تُفتح المستشفيات من جديد، أن ترفرف الكوفية فوق الأطلال كرمز للكرامة. الانتصار هو أن الاحتلال فشل في كسر الروح، وفي انتزاع الهوية، وفي زرع اليأس.
غزة تُعلّم العالم
غزة اليوم ليست بحاجة إلى مَن يشفق عليها، بل إلى مَن يتعلّم منها. من دروسها في التضحية، في الثبات، في الإيمان بعدالة القضية. من قدرتها على الحياة وسط الموت، وعلى الأمل وسط الرماد. لقد أثبتت أن الشعوب، وإن خذلتها الحكومات، تملك من الإرادة ما يمكنها من تغيير المعادلات.
ختاماً: إلى ما بعد النصر
هذا النصر، مهما بدا رمزياً للبعض، هو نقطة تحوّل. على الصعيد الوطني، أعاد الروح إلى القضية الفلسطينية، وذكّر العالم أن غزة ليست عبئاً، بل رافعة كفاح. وعلى الصعيد الشعبي، رسّخ القناعة بأن المقاومة ليست خياراً عسكرياً فقط، بل خيار وجود، خيار كرامة.
أما في المشهد الأوسع، فإن تماسك جبهة المقاومة، والتكامل بين قواها من غزة إلى بيروت، ومن بغداد إلى صنعاء وطهران، يؤكّد أن القدس لم تعد وحيدة، وأن مشروع التحرير، ولو طال، لا يزال حياً، ينبض، ويقترب.


