من الميدان إلى الطاولة: حين تُكسب الحروب وتخسرها بالسياسة
في الميدان تُقاس الأمور بالبارود والحديد، وعلى الطاولة تُقاس بالمصالح والاتفاقات والكلمات. هناك حقائق صارخة في ذاكرة التاريخ: أحيانًا يُنجز المقاتلون معجزات، ويُكتب النصر بالدم والعرق، غير أن ذلك النصر لا يجد أحيانًا من يقطف ثماره سياسياً، فتتبدّد التضحيات على محاور الاجتماعات والتواقيع والصفقات.
مفارقات التاريخ: أمثلة لا تُمحى
حرب أكتوبر 1973 — حين فاجأت مصر وسوريا العدو، وحُسمت صحائف العزة والهزيمة على أرضٍ ملتهبة؛ رغم الخسائر والتكلفة البشرية، كانت نتائج الحرب تتبدّل ليس فقط بمآلات المعركة بل بمدى قدرات القادة على تحويل الانتصار العسكري إلى مكاسب سياسية ثابتة. الحرب نفسها أحدثت زلزالاً استراتيجياً في المنطقة وأعادت ترتيب الأوراق، لكنها أيضاً أظهرت أن المصالح الدولية والضغوط الخارجية قادرة على تحويل النصر العسكري إلى ملعب تفاوضي معقد.
حرب لبنان 2006 (34 يومًا) — اشتعلت على الحدود بين إسرائيل و«حزب الله»، وتحوّل الجنوب اللبناني إلى خندقٍ من النار والصواريخ. على الرغم من المشاهد التي شهدت مقاومة جعلت الكثيرين يعيدون رسم صورة القوة، فإن الحساب السياسي أتى لاحقًا مع لجنة تحقيقات وتقارير خلصت إلى أن المكاسب الميدانية لم تُترجم إلى نتائج استراتيجية واضحة لإسرائيل، فيما بقيت المنطقة في حلقة من التوتر والتبعات الإنسانية والاقتصادية. هذه الحرب كانت نموذجًا لكيف أن الأداء العسكري القوي لا يضمن تلقائيًا هيمنة سياسية أو سلامًا مستدامًا.
طوفان الأقصى — 7 أكتوبر 2023 — هجومٌ مفاجئ أعاد ترتيب المشهد الإقليمي؛ على أرضية الصدمة العسكرية حدثت موجات من الارتدادات السياسية والدبلوماسية، محليًا ودوليًا. مرةً أخرى تُفصح الوقائع عن فارقٍ بين تحقيق إنجازات ميدانية وإدارتها لاحقًا لتحقيق أهدافٍ سياسية مستدامة. نتائج العملية وأثرها انتهيا بأزمات داخلية وخارجية، ولا يزال السؤال عن من يصوغُ مآلات النصر أو يترجم التضحيات إلى مكاسب سياسية قائمة على الطاولة.
عدوان 2024 على لبنان وصمود المقاومة لـ 66 يوماً — كان مشهدًا لا يقلّ دراميةً عن الحروب السابقة. إسرائيل شنت عدوانًا على لبنان استمر 66 يومًا، حاولت من خلاله إجبار المقاومة على الاستسلام، وتقويض قدرتها على الرد، وكسر إرادتها. لكن المقاومة صمدت، وأثبتت أن وجودها ليس مرتبطًا فقط بالمعارك الميدانية إنما برؤية سياسية وثقافية تدعمها قاعدة شعبية صلبة. على الرغم من الدمار الكبير والخسائر المادية، فقد أرهقت إسرائيل داخليًا وعسكريًا وسياسيًا، وتعرضت لضغوط دولية مستمرة، بينما المقاومة استطاعت أن تُبقي على روايتها، وتُحوّل الصمود إلى ورقة سياسية تفرض شروطها في العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية.
لماذا يحصل هذا التنافر بين الميدان والطاولة؟
- منطق مختلف: الميدان يعبّر بلغة القوة والنتيجة الفورية؛ السياسة تتطلب لغة المصالح والتوازنات الطويلة الأمد.
- التحالفات والضغط الدولي: أحيانًا يأتي الدور الدولي ليعيد تشكيل ما تغيره المعارك، عبر ضغوط، عقوبات، أو وساطات تُغلق أبوابًا فتُبقي آثار الحرب بلا ترجمة استراتيجية.
- محدودية الأهداف السياسية: قد يُحقق الجيش أهدافًا تكتيكية، بينما يكتفي صانعو القرار بأهدافٍ سياسيةٍ محدودة أو مُرتجَلة لا تلبي طموحات الميدان.
- الإرهاق الداخلي والخسائر المدنية: عندما يكلف الصراع ثمناً بشريًا ومادياً ثقيلاً، تضطر الحكومات إلى تليين المواقف أو القبول بحلول تقيّد النصر.
أمثلة عملية على نتائج هذا التباين
- بعد 1973 تبلورت تداعيات اقتصادية وسياسية أعادت تشكيل توازنات القوى وإنتاج مسارات تفاوضية لم تكن متاحة قبل الحرب. لكن هذه المسارات طالما كانت خاضعة لموازين قوة خارجية وخيارات سياسية داخلية.
- في 2006، الأداء العسكري واجه انتقادات سياسية داخلية رسمت صورة «فرص ضائعة» كما عبَّرت عنها لجان تقصّي رسمية، بينما تأثرت البنى التحتية والمدن والاقتصاد بشكلٍ جعل أي ربح ميداني قليلاً ما يُترجَم إلى مكاسب طويلة الأمد.
- في 2023 تداخلت الساحة العسكرية مع معادلات إقليمية ودولية جديدة؛ فبعض نتائج العملية العسكرية خضعت فورًا لأجندات وسياسات إقليمية وعالمية لم تكن تحت سيطرة المقاتل على الأرض.
- في 2024، صمود المقاومة في لبنان لأيامٍ ستة وستين رغم العدوان الجوي والمدفعي والبري، أثبت أن القوة على الأرض ليست كل شيء؛ أن الإرادة الشعبية والقدرة على الصبر والمقاومة تحت ضغط كبير، تشكّل أيضًا رافعة سياسية لا يُستهان بها، بل تُعدُّ عنصرًا حاسمًا في المعادلة السياسية النهائية.
خلاصة: كيف يُحول المرء النصر الميداني إلى نصر سياسي؟
النقطة الأساسية أن الفرق بين الانتصار والهزيمة ليس فقط في نهاية المعركة، بل في جودة الرؤية السياسية بعد الحرب:
- وضوح الأهداف قبل اندلاع الصراع يساعد في تحويل الإنجاز العسكري إلى مكاسب سياسية.
- بناء تحالفات سياسية ودبلوماسية موازية للميدان مهم لصدّ الضغوط الخارجية أو التفاوض على شروط تحقق المصالح.
- التخطيط لما بعد الحرب، اقتصاديًا واجتماعيًا، يمنع أن يتحول النصر إلى عبءٍ إنساني وسياسي.
في النهاية، يقول التاريخ بصوتٍ واحد: من يظن أن السلاح وحده يكفي ليصنع مصير أمة هو مخطئ. النصر الحقيقي هو ذاك الذي يُنتزع بالدم ويُرسّخ بالسياسة، وإلا صار النصر على الأرض مجرد مشهدٍ في ألبوم الحروب تُكتب نهايته على طاولة تحكمها حسابات ليست دائمًا عادلة لمن ضحّوا أولاً.


