الرأسمالية الجديدة: الحروب، والصراعات الجيوسياسية، وأزمات الطاقة

الرأسمالية الجديدة: الحروب، والصراعات الجيوسياسية، وأزمات الطاقة
ُحلل المقال مرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة الحروب والأزمات بفضل سياسات مالية نشطة وتنوع الإمدادات، محذرًا من أن الرأسمالية الجديدة القائمة على الدعم الحكومي المفرط قد تُواجه لاحقًا أزمة ديون وانكماشًا حادًا يهدد استقرار النظام الاقتصادي العالمي....

ترجمة: الدكتور مهند طالب الحمدي

بعد اجتياح قوات أدولف هتلر فرنسا عام 1940، خشي الكثيرون الدمار الوشيك لأوروبا واقتصادها. لكن المستثمرين البريطانيين لم يخشوا ذلك. في العام الذي تلا الغزو، ارتفعت قيمة سوق الأسهم في لندن؛ بل وبحلول نهاية الأعمال العدائية، حققت الشركات البريطانية عوائد حقيقية للمساهمين بلغت 100%. لا بد أن المستثمرين الشجعان بدوا غاضبين في ذلك الوقت، لكن ثبتت صحة توقعاتهم وحققوا أرباحًا طائلة.

مع أن مخاطر الوقت الحاضر لا تضاهي مخاطر الحرب العالمية الثانية، إلا أنها كبيرة. يتحدث الخبراء عن “أزماتٍ متعددة الأبعاد” تمتد من جائحة فايروس كورونا، والحرب البرية في أوروبا، وأسوأ صدمة في قطاع الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى التضخم المستمر، والمخاوف في القطاع المصرفي، وانهيار سوق العقارات الصينية، والحرب التجارية. أحد مقاييس المخاطر العالمية أعلى بنسبة 30% من معدله طويل الأجل. تشير استطلاعات ثقة المستهلك إلى أن الأسر متشائمة بشكلٍ غير إعتيادي بشأن حالة الاقتصاد، سواء في الولايات المتحدة أو في أماكن أخرى. يجني المستشارون الجيوسياسيون أموالًا طائلة، بينما تُنفق بنوك وول ستريت أموالًا طائلة على المحللين للحوار عن التطورات في منظقة دونباس الأوكرانية أو الغزو الصيني المحتمل لتايوان.

إنه، من بعض النواحي، تكرارٌ لما حدث عام 1940. في مواجهة الفوضى، يواصل الاقتصاد العالمي نشاطه. منذ عام 2011، استمر النمو بمعدل 3% سنويًا تقريبًا. خلال أسوأ فترات أزمة اليورو في عام2022 كان النمو حوالي 3% كذلك. ماذا عن عام 2016، العام الذي صوتت فيه بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لصالح الرئيس دونالد ترامب، أو عام 2022 عندما غزت روسيا أوكرانيا؟ كان النمو 3% أيضًا. كان الاستثناء في عامي 2020 و2021 أثناء جائخة كورونا. عندما فرضت الحكومات عمليات إغلاق، خشي الكثيرون من ركودٍ يُضاهي الكساد الكبير لعام 2008. في الواقع، على مدار العامين التاليين، حقق الاقتصاد العالمي نموًا سنويًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2%؛ أي عامٌ واحد من الانكماش، أعقبه انتعاشٌ عاصف.

يبدو الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات بشكلٍ ملحوظ ومتزايد. لقد أثبتت سلاسل توريد السلع – التي يُعتقد على نطاقٍ واسع أنها مصدر هشاشة – مرونتها. وأدى تنوع إمدادات الطاقة، وانخفاض اعتماد الاقتصاد على الوقود الأحفوري بشكلٍ مكثف، إلى الحد من تأثير التغيرات في أسعار النفط. وفي جميع أنحاء العالم، تحسنت عملية صنع السياسات الاقتصادية. ووفقًا للسردية الشائعة، امتدت فترة الاعتدال الكبير، وهي فترة من النمو المُطّرد وصنع السياسات كما هو متوقع، من أواخر الثمانينيات إلى الأزمة المالية العالمية في 2007-2009. لكنها ربما لم تنتهِ مع انهيار بنك ليمان براذرز.

وفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي، تسير 5% فقط من الدول هذا العام على طريق الركود، وهو أقل رقم منذ عام 2007. يبلغ معدل البطالة في الدول الغنية أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أقل من 5% ويقترب من أدنى مستوى قياسي. في الربع الأول من عام 2025، ارتفعت أرباح الشركات العالمية بنسبة 7% على أساسٍ سنوي. الأسواق الناشئة، التي طالما تعرضت لهروب رؤوس الأموال في أوقات الشدة، تميل الآن إلى تجنب أزمات العملة أو الديون. يُنفق المستهلكون في جميع أنحاء العالم، رغم ادعائهم بالركود، بحرية. ووفقًا لجميع المقاييس تقريبًا، يُعتبر الاقتصاد في وضعٍ جيد بشكلٍ عام.

ولا عجب أن المستثمرين متفائلون. على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، ومع تفاقم الأزمات، ارتفعت أسعار الأسهم الأمريكية. أكثر من نصف أسواق الأسهم في العالم الغني قريبة من أعلى مستوياتها التاريخية بفارق 5%. مؤشر التقلبات في سوق الأسهم، وهو مؤشر الخوف في وول ستريت، يتراجع عن متوسطه طويل الأجل. تراجعت الأسواق في شهر نيسان (أبريل) الماضي، عندما أعلن الرئيس ترامب عن فرض رسوم “يوم التحرير”، لكنها سرعان ما استعادت خسائرها. يتبعُ العديد من المستثمرين الآن قاعدة بسيطة عند انخفاض الأسواق: “اشترِ عند الانخفاض”.

لا يبدو أنهم قلقون كثيرًا بشأن الشركات المُعرّضة للخطر الجيوسياسي. الشركات الأمريكية، وخاصةً تلك المُعرّضة للرسوم الجمركية، مثل شركات المستلزمات الرياضية، لا تحقق أداءً يُذكر مقارنةً بالسوق الأوسع. عندما شن الرئيس فلاديمير بوتين حربه عام 2022، انهار سوق الأسهم الأوكراني. لكنه استعاد بعضًا من قوته منذ ذلك الحين، حيث ارتفع بمقدار الربع هذا العام. ولا يوجد تناقض أوضح بين المُحللين والأسواق مما هو الحال بما يتعلق بتايوان. يُصدر بنك غولدمان ساكس مؤشرين لمخاطر “عبر المضيق.” ووفقًا للمؤشر المُصمم باستخدام مقالاتٍ صحفية، نادرًا ما كان المضيق بهذه الخطورة. على النقيض من ذلك، لا يبدو أن المؤشر القائم على السوق، والمُستمد من أسعار الأسهم، يُبالي بهذا الأمر. إما أن المستثمرين ساذجون، أو، كما في عام 1940، لديهم حدسٌ أكثر تعقيدًا لكيفية تطور الصراع.

إذن، هناك ثمة لغز: فوضى جيوسياسية واقتصاد هادئ تمامًا. ربما يعكس هذا الأمر أحداث عام 1940، ولكنه أمرٌ غير مألوفٍ تاريخيًا. عادةً ما يجد الاقتصاديون صلة بين الاضطرابات الجيوسياسية وتدهور الاقتصاد. تُشير ورقة بحثية أعدها السيدان داريو كالدارا وماتيو ياكوفيلو، وكلاهما يعمل في بنك الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية “يُنذر” بانخفاض الاستثمار والتوظيف. ويجد السيدان هيتس أهير ودافيد فورسيري من صندوق النقد الدولي ونيكولاس بلوم من جامعة ستانفورد أن زيادة عدم اليقين غالبًا ما تتبعها “انخفاضات كبيرة في الناتج.”

ربما تغير شيءٌ ما. يقدم السيد هيتس أهير وزملاؤه أدلة تشير إلى ذلك. منذ عام 1990، كان تأثير عدم اليقين على النمو أقل من ذي قبل. وتشير التطورات الأخيرة إلى مزيدٍ من التقدم.

الخروج من الأزمة

قد يكون ظهور شكلٍ جديدٍ من الرأسمالية – ولنسمِّه اقتصاد التيفلون (وهي حالة يُظهر فيها الاقتصاد أو السوق مرونة ملحوظة، ويبدو أنه يتحمل القوى أو الصدمات الاقتصادية السلبية دون تأثيرٍ سلبي كبير) وراء هذه التحولات. فمن جهة، أصبحت الشركات أكثر قدرة من أي وقتٍ مضى على التعامل مع الصدمات، مما يعني أن الأسواق لا تزال تعمل حتى في ظل الانهيار السياسي. ومن جهةٍ أخرى، توفر الحكومات لاقتصاداتها مستوياتٍ غير مسبوقة من الحماية.

لنبدأ بسلاسل التوريد، التي تعرضت لعددٍ من الصدمات في السنوات الأخيرة. تبدو السردية الشائعة القائلة بأنها عرضة “للفشل” خاطئة إلى حدٍ كبير. أثناء فترة الجائحة، ارتفعت أسعار بعض السلع بشكلٍ كبير – ولكن هذا كان نتيجة ارتفاعٍ هائل في الطلب، وليس انخفاضًا في العرض. وتُعد أشباه الموصلات مثالًا كلاسيكيًا. ففي عام 2021، شحنت شركات تصنيع الرقائق 1.2 تريليون وحدة، أي بزيادة قدرها 15% تقريبًا عن العام السابق. لم يعاني قطاع الرقائق الألكترونية فعليًا من “أزمة في العرض”، بل استجاب بكفاءة للزيادة الحادة في الطلب.

وفقًا لمؤشر ضغط سلاسل التوريد الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ظلت الاختناقات مُتسقة مع المتوسط طويل الأمد، حتى في ظل الحرب التجارية التي شنها الرئيس ترامب. توصلت وحدة البحوث الاقتصادية في مجلة الايكونوميست إلى نتائج مماثلة من خلال تحليل 33 ألف سلعة استوردتها الولايات المتحدة بين عامي 1989 و2024. في كل عام، تم إحصاء عدد السلع التي انخفضت وارداتها عن العام السابق بأكثر من 20%، حتى مع ارتفاع أسعارها بأكثر من 20%. يشير هذا إلى حالات “فشل” حقيقي في سلسلة التوريد. واستنتجت وحدة التحليل الاقتصادي أن معدل الفشل يتجه نحو الانخفاض بمرور الوقت.

تتميز سلاسل التوريد الحديثة بمرونتها لأنها تُدار باحترافية. تتمتع شركات اللوجستيات المتخصصة بامتدادٍ عالمي، مع قدرات تخزينٍ ونقلٍ متطورة. كما تُمكّن الاتصالات الأفضل من إعادة توجيه العمليات عند الحاجة. يعمل الكثير من الناس في وظائف تُمكّنهم عمليًا من تحقيق أقصى قدر من المكاسب الحدية. في الولايات المتحدة، زاد عدد مديري سلاسل التوريد بنسبة 95% مقارنةً بما كان عليه قبل عقدين من الزمن.

يعتقدُ بعض المستثمرين أن التغييرات الهيكلية في الاقتصاد تلعب دورًا أيضًا. يقول السيد ريك ريدر، كبير مسؤولي الاستثمار في أسواق الدخل الثابت في شركة بلاك روك، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم: “اقتصاد الخدمات مُتسقٌ بشكلٍ لا يُصدق. فهو لا يدخل في حالة ركود إلا عند حدوث صدمة كبيرة حقيقية: جائحة أو أزمة مالية”. منذ عام 1990، انخفض استهلاك السلع في الولايات المتحدة على أساسٍ ربع سنوي في 27 ربعًا. وفي المقابل، انكمش الإنفاق على الخدمات في خمسة أرباعٍ فقط.

أدى النمو السريع في إنتاج النفط والغاز الصخري الأمريكي إلى جعل العالم أقل اعتمادًا على كل من روسيا والشرق الأوسط، كما أصبح واضحًا بعد غزو الرئيس بوتين لأوكرانيا، والذي فشل في إحداث الركود العميق في أوروبا الذي توقعه العديد من المحللين. أنتجت منظمة أوبك أقل من 33 مليون برميل من النفط يوميًا في العام الماضي، أي أكثر بنسبة 12٪ فقط مما كانت عليه في عام 1973، عندما قلص الكارتل النفطي الإنتاج وأدى إلى ارتفاع الأسعار بشكلٍ كبير. في الوقت نفسه، أنتج بقية العالم 64 مليون برميل من النفط يوميًا، وهو رقمٌ تضاعف أكثر من الضعف منذ صدمة النفط في السبعينيات. علاوة على ذلك، أصبح الاقتصاد العالمي أقل اعتمادًا على استهلاك الوقود: فقد انخفضت كثافة النفط، التي تُعرف بأنها الكمية المستهلكة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي، بنحو 60٪ منذ عام 1973. ولهذا السبب فإن أحداثًا مثل القصف الإسرائيلي والأمريكي الأخير لإيران بالكاد أثرت على سعر النفط الخام.

رغم روعة مرونة سلسلة التوريد، إلا أن الأمر سيقل أهميةً إن انهار طلب المستهلكين في كل مرة تتدهور فيها المعنويات. لكن هذا لا يحدث، ويعود ذلك في جزءٍ كبير منه إلى الإجراءات الحكومية. لقد أصبح السياسيون في الدول الغنية نشطاء ماليين متطرفين. أثناء فترة جائحة كورونا، أنفقوا أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي على حُزم الإنقاذ. في عام 2022، أثناء أزمة الطاقة، انفقت الحكومات الأوروبية 3% أخرى في المتوسط من الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2023، وفي خضم أزمةٍ مصرفية، وسّعت الولايات المتحدة نطاق تأمين الودائع بشكلٍ كبير. عندما تكون هناك أخبار سيئة، يسارع السياسيون إلى الإنفاق ببذخ.

وحتى عندما لا تكون هناك أخبار سيئة، ينفق السياسيون ببذخ لمجرد التأكيد. تُعاني حكومات الدول الغنية في المتوسط الآن من عجزٍ مالي يزيد عن 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى بكثير من المعدل الذي كان سائدًا في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. يتجاوز دعم هذه الحكومات عجز الموازنة، الذي يسهل قياسه. لدى العديد من الدول الآن “التزامات طارئة” ضخمة – التزامات خارج الميزانية العمومية، ومع ذلك تُمثل نفقات مُحتملة هائلة. تتحمل الحكومة الفيدرالية الأمريكية مسؤولية التزامات طارئة تتجاوز قيمتها خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وحين تدعم الحكومة الفيدرالية الاقتصاد بأكمله، فليس من المستغرب أن تكون حالات الركود نادرة.

لهذا النهج فوائد واضحة. أليس من الأفضل العيش في عالمٍ نادرًا ما ترتفع فيه البطالة؟ حتى أثناء فترة الجائحة، لم يتجاوز معدل البطالة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 7%. فقدان الوظيفة قد يُلحق ضررًا بالغًا بالشخص مدى الحياة؛ وتجنب هذا المصير يُعزز الدخل والصحة. في الوقت نفسه، يُعدّ ارتفاع أسعار الأصول المستمر أمرًا جيدًا لكل من لديه حساب تقاعد أو محفظة أسهم. ومع ذلك، فإن للنظام تكاليفه أيضًا. إذا نجحت البنوك المركزية والحكومات في تأجيل الانهيارات المالية، فإنها ستشجع ببساطة على المزيد من السلوك المتهور، مما يُنذر بانكماشٍ اقتصادي حاد.

أحرزت الأسواق الناشئة تقدمًا أيضًا. أصبحت أسعار الصرف المرنة أكثر شيوعًا؛ وأصبح صانعو السياسات أكثر قدرة على تجنب الصدمات. من عام 2000 إلى عام 2022، ارتفع عدد البنوك المركزية في الأسواق الناشئة التي تستهدف التضخم من خمسة إلى 34، كما أشارت السيدة غيتا غوبيناث من صندوق النقد الدولي. أسواق السندات المحلية أكثر رسوخًا، مما يعني أن الدول الفقيرة يمكنها الاقتراض بعملاتها المحلية بأسعار فائدةٍ محترمة، مما يجعلها أقل عرضة للتقلبات العالمية. حتى مزيج من جائحة وارتفاع أسعار السلع الأساسية وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية لم يعرقل الاقتصادات النامية. كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي للأسواق الناشئة، باستثناء الصين، ارتفعت الديون السيادية المتعثرة إلى 1.2٪ في عام 2023، ارتفاعًا من 0.6٪ في عام 2019. وهذا يتضاءل مقارنة بالأزمات السابقة. في عام 1987، بلغ حجم ديون الأسواق الناشئة المتعثرة 11.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي.

تتجنب الدول المتعثرة حقًا، مثل مصر وباكستان، اليوم التخلف عن السداد. ومع ذلك، كما هو الحال في العالم الغني، فإن هذا يأتي مع تكاليف. مع نمو دور الصين كمقرض ودخولها في مفاوضات، توقفت عمليات إعادة الهيكلة تقريبًا. يتردد صندوق النقد الدولي والدائنون الرسميون في إجبار المقترضين على التخلف عن السداد، مُفضلين بدلًا من ذلك قروضًا متقطعة. على الرغم من قلة الدول التي تخلفت عن السداد، إلا أن 59 دولة كانت تحت ضغط في عام 2024، وفقًا لإحصاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهو رقمٌ قياسي.

العديد من جوانب رأسمالية التيفلون ستبقى، للأفضل أو للأسوأ. من غير المرجح أن تتراجع عمليات صنع السياسات في الأسواق الناشئة. لن تُسهّل الصين محادثات التخلف عن السداد. الدول الغنية، التي تتقدم شعوبها في السن بسرعة، تريد الأمن الاقتصادي؛ فالسياسات الشعبوية تتطلب ذلك. يتوقع المستثمرون الآن حُزم إنقاذٍ عند أول بادرة متاعب، وسيواصلون شراء الأسهم عند انخفاض أسعارها.

وفي غضون ذلك، يلوحُ خطران في الأفق. أولًا، يجعلُ ارتفاع أسعار الفائدة الإسراف مكلفًا. ستنفق الولايات المتحدة هذا العام أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي على خدمة الدين، أكثر مما تنفقه على الدفاع. في مرحلةٍ ما، ستضطر الحكومات إلى خفض الإنفاق. ثانيًا، قد تتفاقم الصدمات الجيوسياسية إلى حدٍ لا تستطيع معه حتى سلاسل التوريد القوية اليوم مواكبتها. قد يؤدي غزوٌُ صيني لتايوان إلى تدمير إمدادات الغرب من أشباه الموصلات عالية الجودة، بين عشية وضحاها تقريبًا.

في عام 1940، راهن المستثمرون في لندن على أن غزو هتلر لأوروبا لن يُسفر عن شيء. أما المستثمرون في عام 2025، فيراهنون على رهانٍ أكثر دهاءً: أن السياسيين والجهات التنظيمية ومحافظي البنوك المركزية سيواصلون دعمهم عندما تسوء الأمور. يكمن الخطر في أنه في الأزمة القادمة، قد يحين موعد دفع فاتورة الحماية الدائمة – وقد تكون باهظة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *