
تشهد الساحة الإعلامية اليوم حالة من الانحدار الأخلاقي الخطير الذي أخذ يحطم كل ما يقف أمامه. بعد أن تحولت بعض القنوات الفضائية من منابر توعية وصناعة رأي عام راقٍ، إلى أدوات غوايةٍ وتضليلٍ تخدم أجندات غير إنسانية. باتت الكلمة والصورة والأنثى سلعةً بيد من يديرون ماكينات الإعلام الموجّه، هدفهم تسطيح الوعي وتفكيك القيم، وتدمير المجتمع الذي بُني على فكرٍ عشائريٍ طيبٍ ووعيٍ فطريٍ متين.
الإغواء كأداة إعلامية جديدة
لم يعد الإغواء فناً إعلامياً ناعماً كما كان يُنظر إليه في السابق، بل صار سياسة متعمدة تستهدف عقول الجماهير للسيطرة عليها. تُغرس ثقافة الجسد بدل العقل، والسطحية بدل الوعي، حتى تحولت الشاشة من وسيلة تثقيف إلى أداة بغاءٍ معنوي تتلاعب بالعواطف وتبيع الوهم في سوق الشهرة والمشاهدات. هذا التحول جعل الإعلام يبتعد عن رسالته المقدسة في نقل الحقيقة، ليصبح جزءاً من آلة إنتاج الانحلال الثقافي والاجتماعي.
صناعة التفاهة تحت عنوان الحرية
الكثير من القنوات الفضائية أدمنت هذا النهج حتى غدا الإغراء أسلوباً تسويقياً. فهي تنتج برامج ومحتويات قائمة على الإغواء، وتدفع بمذيعات ومقدّمين يتعمدون إثارة الجدل لجذب الانتباه، بينما يغيب الوعي، ويُختطف الذوق العام. والمشكلة الأكبر أن الجهات الرسمية، من وزارة الإعلام والثقافة إلى نقابة الصحفيين، تغضّ الطرف عن هذا الانحدار وكأنها لا تراه. فالشذوذ الإعلامي صار سلعة رائجة بيد دخلاء على المهنة لا يملكون من أدواتها سوى حب الظهور واللهاث وراء الإعجابات والمشاهدات.
من الرسالة إلى الرذيلة
هكذا يتحول الإعلام من رسالة إلى رذيلة، ومن وسيلة بناء إلى معول هدم يضرب القيم الاجتماعية في عمقها، ويشوّه صورة المرأة التي كانت رمزاً للعقل والرقي والحياء. لم يعد المشاهد يبحث عن المعلومة أو التحليل، بل عن الإثارة التي زرعتها تلك القنوات في وعيه. لقد تحولت الإثارة إلى معيار للنجاح، وصار المذيع أو المذيعة يقاس حضوره بعدد المتابعين لا بصدق الكلمة.
غياب الأخلاق والمهنية
المشهد الإعلامي اليوم يعيش حالة من التلوث القيمي. تغيب الأخلاقيات، وتُختزل الكلمة في مظاهر استعراضية، بينما يقف الإعلامي الحقيقي عاجزاً أمام موجة الابتذال التي تخنق رسائل التنوير في ضجيج العري والسطحية. ما نراه اليوم ليس إعلاماً، بل تجارة بالغرائز وتحريض على الانحلال الخلقي تحت لافتة الحرية والحداثة.
وعي زائف وجيل ضائع
تحت هذا الغطاء المخادع، يُنتج الإعلام الموجّه وعياً زائفاً يصنع جيلاً ضائعاً يخلط بين الشهرة والفضيحة، وبين الحرية والانحطاط، وبين الإعلام والشيطنة. فالإعلام الشيطاني لا يحمل ميكروفوناً فحسب، بل يقطّر سماً ناعماً من الكلمة والصورة، يزرعه في الوعي الجمعي ليخلق جمهوراً مستهلكاً ضعيف الإرادة فاقد الهوية. هدفه الأوحد أن يبقى الناس أسرى الإلهاء، بعيدين عن التفكير النقدي والمعرفة الحقيقية.
مسؤولية التطهير واستعادة الهيبة
وهكذا تسقط هيبة الإعلام وتسقط معها القيم الأخلاقية التي وُجد لأجلها. ويبقى السؤال المؤلم: من سيطهر الشاشة من رجس البغاء الإعلامي؟ من سيعيد إليها قدسية الرسالة التي خُلقت لتنوير العقول لا لإغوائها؟
الإصلاح لا يأتي من الصمت، بل من تحرك العقول النيرة والإرادات الصلبة لوضع حد للمزايدات على الانحطاط الأخلاقي. يجب أن نعيد الغصن إلى مكانه الصحيح كي تنبت شجرة الإعلام الحقيقي، تلك التي تصارع من أجل البقاء وسط أجواء سياسية خانقة وانعدام للثقة بين المجتمع والإعلام.
نحو إعلام وطني يبني ولا يهدم
آن الأوان أن نكون قادرين على بناء مجتمعٍ صحفيٍ حقيقي، يبني ولا يهدم، يواجه ولا يهادن، يضيء ولا يضلّل. إعلام قادر على تحمّل العقبات دون تحزب أو تلوّن، يضع الكلمة في مكانها الشريف، ويعيد للمهنة قيمتها الأصيلة. متى نستفيق من غفوتنا لنرى ما لا نراه؟ متى نعيد للإعلام روحه التي فقدها بين الوهم والحقيقة؟ تلك هي المعركة الحقيقية التي تحدد إن كنا سنبقى أسرى الشيطنة الإعلامية… أم سنكتب بداية استعادة الوعي.


