
في هذا التوقيت يفتح فصلًا جديدًا من الصراع السياسي في العراق ويعكس بوضوح عمق الأزمة التي تمر بها المؤسسات الحكومية…
هذه التسريبات لم تكن حدثًا عابرًا بل جاءت كإشارة تحذيرية بأن النظام السياسي يواجه فقدانًا كبيرًا للقبول الشعبي…
وهو ما يشرح أسباب الذعر لدى البعض الذين يدركون أنهم مقبلون على خسارة انتخابية كبيرة. وقد تكون هذه التسريبات بداية لمرحلة جديدة من الانقسامات التي قد لا يستطيع النظام السياسي مواجهتها بسهولة.
المعطيات تشير إلى أن هناك من راهن على إشعال الشارع…
في أعقاب هذه التسريبات بهدف تعطيل العملية الانتخابية…
وخلق بيئة من الفوضى تسمح لمكونات سياسية معينة بإعادة ترتيب أوراقها مع بدء صفحة جديدة للإطار التنسيقي…
لكن المعضلة تكمن في حقيقة أن الشارع العراقي في الآونة الأخيرة أصبح أكثر وعياً لما يحدث خلف الكواليس السياسية.
فالمتابعون السياسيون يتساءلون عن مدى تأثير هذه التسريبات على طبيعة العلاقة بين القوى السياسية في العراق. هناك من يعتقد أن هذه التسريبات كانت محاولة لتفجير الوضع السياسي الذي يعاني أصلاً من الانقسامات العميقة.
تآكل الثقة في بنية النظام السياسي
قراءة تحركات الشارع ومواقع النفوذ تكشف أن حسابات هؤلاء اصطدمت بحكمة قيادة التيار الصدري…
ومعرفة قياداته ببواطن الأمور هو ما أدى إلى استجابة مقاطعية واسعة قد تكبدهم خسائر كبيرة على الصعيد الشعبي والسياسي…
التحليل السياسي يشير إلى أن المقاطعة ليست مجرد فعل رمزي…
بل مؤشر على تآكل الثقة في بنية النظام السياسي وهو ما يضع أمام الجميع سؤالًا حول مدى قدرة الأطراف المتحكمة على تعويض هذا العجز بإجراءات أو تحالفات تقليدية…
فالقوى السياسية التقليدية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير أصبحت في موقف لا تحسد عليه نتيجة للضغط الشعبي المستمر. فالتصعيد السياسي بات يعكس انعدام الأفق لدى العديد من القوى في التعامل مع الأزمات السياسية والاجتماعية في البلاد.
تداعيات التسريبات على المشهد الإقليمي
من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد أن تخرج معطيات جديدة في الأيام المقبلة…
قد تسعى إلى إعادة إشعال الشارع أو خلق ذرائع لنسف الانتخابات المقبلة ولهذا يظل المشهد متقلبًا وحساسًا إلى أقصى الحدود…
المشاهد الأمنية تفيد بوجود محاولات لقياس نبض الشارع وردود الأفعال الإعلامية واستغلال الفراغ المعلوماتي لصياغة روايات موازية تسعى إلى تشتيت الانتباه عن جوهر الأزمة…
وهي فقدان شرعية المنظومة السياسية لدى شريحة واسعة من الجمهور.
التحالفات القديمة تتآكل والمواقف تتبدل بسرعة غير مسبوقة….
وهذا ما يجعل التوقعات الصائبة مرهونة بمتابعة دقيقة لسلوك الجماهير وتلقيح المعلومات بمصادر موثوقة وتجنب الانجرار وراء شائعات…
قد تكون مدفوعة بأهداف استثمارية سياسية. ففي النهاية، يتعين على القوى السياسية أن تدرك أن الفوضى التي تترتب على التصعيد قد لا تصب في مصلحتها على المدى البعيد.
دور القيادات الوطنية في هذه المرحلة الحاسمة
على القادة الوطنيين والمحبين للحركة الصدرية أن يضعوا الحكمة في مقدمة خياراتهم…
وأن يعملوا على كشف الخفايا وتعزيز التنسيق المدني والحقوقي لمنع أي طرف من إعادة صناعة واقع انتخابي…
مبني على تزوير الإرادة الشعبية أو على تهييج الشارع…
فالمرحلة الحالية تتطلب الحكمة والتأني، إذ إن استجابة القادة السياسيين في العراق لهذه المرحلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل العملية السياسية في البلاد.
الخاتمة
أما الدرس الأكبر الذي ستتركه هذه الحوادث فقد يكون عبرة للأجيال القادمة عن نظام فقد قواعده الشعبية بكلمة واحدة أو بتسريب واحد. وهذا الدرس يفرض إعادة حسابات جدية لإصلاح العلاقة بين المواطن والدولة وإعادة بناء مؤسسات قادرة على استعادة الثقة…
في الختام يظل السؤال المطروح بعين الواقعية: هل سينجح الفاعلون التقليديون في بث الفرقة وتحريك الشارع أم أن وعي الجمهور وحكمة القادة سيقيدان هذه المحاولات؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة…


